تفسير الطبري

سورة الشعراء الآية ١٥٤

مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿١٥٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَر مِثْلنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل ثَمُود لِنَبِيِّهَا صَالِح : { مَا أَنْتَ } يَا صَالِح { إِلَّا بَشَر مِثْلنَا } مِنْ بَنِي آدَم , تَأْكُل مَا نَأْكُل , وَتَشْرَب مَا نَشْرَب , وَلَسْت بِرَبٍّ وَلَا مَلَك , فَعَلَّام نَتَّبِعك ؟ فَإِنْ كُنْت صَادِقًا فِي قِيلك , وَأَنَّ اللَّه أَرْسَلَك إِلَيْنَا { فَأْتِ بِآيَةٍ } يَعْنِي : بِدَلَالَةٍ وَحُجَّة عَلَى أَنَّك مُحِقّ فِيمَا تَقُول , إِنْ كُنْت مِمَّنْ صَدَقَنَا فِي دَعْوَاهُ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا. وَقَدْ : 20321 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَمْرو الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَاصِم الْكِلَابِيّ , قَالَ : ثَنَا دَاوُد بْن أَبِي الْفُرَات , قَالَ : ثَنَا عِلْبَاء بْن أَحْمَر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ صَالِحًا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه , فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ , فَمَاتَ صَالِح , فَرَجَعُوا عَنْ الْإِسْلَام , فَأَتَاهُمْ صَالِح , فَقَالَ لَهُمْ : أَنَا صَالِح , قَالُوا : إِنْ كُنْت صَادِقًا فَأْتِنَا بِآيَةٍ , فَأَتَاهُمْ بِالنَّاقَةِ , فَكَذَّبُوهُ وَعَقَرُوهَا , فَعَذَّبَهُمْ اللَّه .
" مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا " فأي: فضيلة فقتنا بها, حتى تدعونا إلى اتباعك؟ " فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " هذا, مع أن مجرد اعتبار حالته وحالة ما دعا إليه, من أكبر الآيات البينات على ما جاء به وصدقه, ولكنهم من قسوتهم, سألوا آيات الاقتراح, التي في الغالب, لا يفلح من طلبها, لكون طلبه مبنيا على التعنت, لا على الاسترشاد.
قالت ثمود لنبيها صالح: ما أنت إلا من الذين سُحروا سِحْرًا كثيرًا، حتى غلب السحر على عقلك. ما أنت إلا فرد مماثل لنا في البشرية من بني آدم، فكيف تتميز علينا بالرسالة؟ فأت بحجة واضحة تدل على ثبوت رسالتك، إن كنت صادقًا في دعواك أن الله أرسلك إلينا.
"مَا أَنْتَ" أَيْضًا "إلَّا بَشَر مِثْلنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ" فِي رِسَالَتك
ثُمَّ قَالُوا " مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَر مِثْلنَا " يَعْنِي فَكَيْف أُوحِيَ إِلَيْك دُوننَا كَمَا قَالُوا فِي الْآيَة الْأُخْرَى " أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْر مِنْ بَيْننَا بَلْ هُوَ كَذَّاب أَشِر سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّاب الْأَشِر " ثُمَّ إِنَّهُمْ اِقْتَرَحُوا عَلَيْهِ آيَة يَأْتِيهِمْ بِهَا لِيَعْلَمُوا صِدْقه بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبّهمْ وَقَدْ اِجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُخْرِج لَهُمْ الْآن مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة نَاقَة عُشَرَاء - وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَة عِنْدهمْ - مِنْ صِفَتهَا كَذَا وَكَذَا فَعِنْد ذَلِكَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ نَبِيّ اللَّه صَالِح الْعُهُود وَالْمَوَاثِيق لَئِنْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَتَّبِعُنَّهُ فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ فَقَامَ نَبِيّ اللَّه صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام فَصَلَّى ثُمَّ دَعَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيبهُمْ إِلَى سُؤَالهمْ فَانْفَطَرَتْ تِلْكَ الصَّخْرَة الَّتِي أَشَارُوا إِلَيْهَا عَنْ نَاقَة عُشَرَاء عَلَى الصِّفَة الَّتِي وَصَفُوهَا فَآمَنَ بَعْضهمْ وَكَفَرَ أَكْثَرهمْ .
فِي قَوْلك .
مشاركة الموضوع