تفسير الطبري

سورة الفرقان الآية ٦٦

إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ﴿٦٦﴾
وَقَوْله { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } يَقُول : إِنَّ جَهَنَّم سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا , يَعْنِي بِالْمُسْتَقَرِّ : الْقَرَار , وَبِالْمُقَامِ : الْإِقَامَة ; كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : سَاءَتْ جَهَنَّم مَنْزِلًا وَمُقَامًا . وَإِذَا ضُمَّتِ الْمِيم مِنَ الْمُقَام فَهُوَ مِنَ الْإِقَامَة , وَإِذَا فُتِحَتْ فَهُوَ مِنْ : قُمْت , وَيُقَال : الْمَقَام إِذَا فُتِحَتْ الْمِيم أَيْضًا هُوَ الْمَجْلِس . وَمِنْ الْمُقَام بِضَمِّ الْمِيم بِمَعْنَى الْإِقَامَة , قَوْل سَلَامَة بْن جَنْدَل : يَوْمَانِ : يَوْم مُقَامَات وَأَنْدِيَة وَيَوْم سَيْر إِلَى الْأَعْدَاء تَأْوِيبَا وَمِنْ الْمَقَام الَّذِي بِمَعْنَى الْمَجْلِس , قَوْل عَبَّاس بْن مِرْدَاس : فَأَتِّي مَا وَأَيُّك كَانَ شَرًّا فَقِيدَ إِلَى الْمَقَامَة لَا يَرَاهَا يَعْنِي : الْمَجْلِس .
" إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " وهذا منهم, على وجه التضرع لربهم, وبيان شدة حاجتهم إليه, وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب.
وليتذكروا منة الله عليهم.
فإن صرف الشدة, بحسب شدتها وفظاعتها, يعظم وقعها ويشتد الفرح بصرفها.
والذين هم مع اجتهادهم في العبادة يخافون الله فيدعونه أن ينجيهم من عذاب جهنم، إن عذابها يلازم صاحبه. إن جهنم شر قرار وإقامة.
"إنَّهَا سَاءَتْ" بِئْسَ "مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" هِيَ : أَيْ مَوْضِع اسْتِقْرَار وَإِقَامَة
وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم عِنْد قَوْله " إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الرَّبِيع حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث قَالَ : قَالَ إِذَا طُرِحَ الرَّجُل فِي النَّار هَوَى فِيهَا إِذَا اِنْتَهَى إِلَى بَعْض أَبْوَابهَا قِيلَ لَهُ مَكَانك حَتَّى تُتْحِف قَالَ فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمّ الْأَسَاوِد وَالْعَقَارِب قَالَ فَيَتَمَيَّز الْجِلْد عَلَى حِدَة وَالشَّعْر عَلَى حِدَة وَالْعَصَب عَلَى حِدَة وَالْعُرُوق عَلَى حِدَة وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الرَّبِيع حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ إِنَّ فِي النَّار لَجِبَابًا فِيهَا حَيَّات أَمْثَال الْبُخْت وَعَقَارِب أَمْثَال الْبِغَال الدُّهْم فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّار خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارهمْ وَأَشْعَارهمْ فَكَشَطَتْ لُحُومهمْ إِلَى أَقْدَامهمْ فَإِذَا وَجَدَتْ حَرّ النَّار رَجَعَتْ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُوسَى حَدَّثَنَا سَلَّام يَعْنِي اِبْن مِسْكِين عَنْ أَبِي طَلَال عَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّم لَيُنَادِي أَلْف سَنَة يَا حَنَّان يَا مَنَّان فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِجِبْرِيل اِذْهَبْ فَأْتِنِي بِعَبْدِي هَذَا فَيَنْطَلِق جِبْرِيل فَيَجِد أَهْل النَّار مُكِبِّينَ يَبْكُونَ فَيَرْجِع إِلَى رَبّه عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرهُ فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ اِئْتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا فَيَجِيء بِهِ فَيُوقِفهُ عَلَى رَبّه عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُول لَهُ يَا عَبْدِي كَيْف وَجَدْت مَكَانك وَمَقِيلك ؟ فَيَقُول يَا رَبّ شَرّ مَكَان وَشَرّ مَقِيل فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رُدُّوا عَبْدِي فَيَقُول يَا رَبّ مَا كُنْت أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدّنِي فِيهَا فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ دَعُوا عَبْدِي " .
أَيْ بِئْسَ الْمُسْتَقَرّ وَبِئْسَ الْمُقَام . أَيْ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْم , وَإِذَا قَالُوهُ عَنْ عِلْم كَانُوا أَعْرَف بِعِظَمِ قَدْر مَا يَطْلُبُونَ , فَيَكُون ذَلِكَ أَقْرَب إِلَى النَّجْح .
مشاركة الموضوع