تفسير الطبري

سورة الفرقان الآية ٥٠

وَلَقَدْ صَرَّفْنَٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ﴿٥٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ قَسَمْنَا هَذَا الْمَاء الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ الْمَيِّت مِنَ الْأَرْض بَيْن عِبَادِي , لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمِي عَلَيْهِمْ , وَيَشْكُرُوا أَيَادِي عِنْدهمْ وَإِحْسَانِي إِلَيْهِمْ , { فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا } يَقُول : إِلَّا جُحُودًا لِنِعَمِي عَلَيْهِمْ , وَأَيَادِي عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20046 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن بْن مُسْلِم يُحَدِّث طَاوُسًا , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا عَام بِأَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام , وَلَكِنَّ اللَّه يُصَرِّفهُ بَيْن خَلْقه ; قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ } . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : مَا عَام بِأَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام , وَلَكِنَّهُ يَصْرِفهُ فِي الْأَرَضِينَ , ثُمَّ تَلَا { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا } . 20047 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ } قَالَ : الْمَطَر يُنْزِلهُ فِي الْأَرْض , وَلَا يُنْزِلهُ فِي الْأَرْض الْأُخْرَى , قَالَ : فَقَالَ عِكْرِمَة : صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا . 20048 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا } قَالَ : الْمَطَر مَرَّة هَاهُنَا , وَمَرَّة هَاهُنَا . 20049 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا جُحَيْفَة يَقُول : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقُول : لَيْسَ عَام بِأَمْطَر مِنْ عَام , وَلَكِنَّهُ يُصَرِّفهُ , ثُمَّ قَالَ عَبْد اللَّه : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ } . وَأَمَّا قَوْله : { فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا } فَإِنَّ الْقَاسِم 20050 -حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : { فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا } قَالَ : قَوْلهمْ فِي الْأَنْوَاء .
ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة وصرفها للعباد, ليعرفوه, ويشكروه, ويذكروه مع ذلك " فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا " لفساد أخلاقهم وطبائعهم.
ولقد أنزلنا المطر على أرض دون أخرى؛ ليذكر الذين أنزلنا عليهم المطر نعمة الله عليهم، فيشكروا له، وليذكر الذين مُنعوا منه، فيسارعوا بالتوبة إلى الله - جل وعلا- ليرحمهم ويسقيهم، فأبى أكثر الناس إلا جحودًا لنعمنا عليهم، كقولهم: مطرنا بنَوْء كذا وكذا.
"وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ" أَيْ الْمَاء "بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا" أَصْله يَتَذَكَّرُوا أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة لِيَذْكُرُوا بِسُكُونِ الذَّال وَضَمّ الْكَاف : أَيْ نِعْمَة اللَّه بِهِ "فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إلَّا كُفُورًا" جُحُودًا لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَالُوا : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا
وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا " أَيْ أَمْطَرْنَا هَذِهِ الْأَرْض دُون هَذِهِ وَسُقْنَا السَّحَاب يَمُرّ عَلَى الْأَرْض وَيَتَعَدَّاهَا وَيَتَجَاوَزهَا إِلَى الْأَرْض الْأُخْرَى فَيُمْطِرهَا وَيَكْفِيهَا وَيَجْعَلهَا غَدَقًا وَاَلَّتِي وَرَاءَهَا لَمْ يَنْزِل فِيهَا قَطْرَة مِنْ مَاء وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْحِكْمَة الْقَاطِعَة قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَيْسَ عَام بِأَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام وَلَكِنَّ اللَّه يُصَرِّفهُ كَيْف يَشَاء ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا " أَيْ لِيَذَّكَّرُوا بِإِحْيَاءِ اللَّه الْأَرْض الْمَيْتَة أَنَّهُ قَادِر عَلَى إِحْيَاء الْأَمْوَات وَالْعِظَام الرُّفَات أَوْ لِيَذَّكَّر مَنْ مُنِعَ الْمَطَر إِنَّمَا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِذَنْبٍ أَصَابَهُ فَيُقْلِع عَمَّا هُوَ فِيهِ وَقَالَ عُمَر مَوْلَى عُقْبَة : كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي مَوْضِع الْجَنَائِز فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يَا جِبْرِيل إِنِّي أُحِبّ أَنْ أَعْلَم أَمْر السَّحَاب " قَالَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا نَبِيّ اللَّه هَذَا مَلَك السَّحَاب فَسَلْهُ فَقَالَ تَأْتِينَا صِكَاك مُخْتَمَة : اِسْقِ بِلَاد كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا قَطْرَة رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَهُوَ حَدِيث مُرْسَل وَقَوْله تَعَالَى : " فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا " قَالَ عِكْرِمَة يَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَة كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيث الْمُخَرَّج فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا عَلَى أَثَر سَمَاء أَصَابَتْهُمْ مِنْ اللَّيْل " أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ ؟ " قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ " قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَذَاكَ مُؤْمِن بِي كَافِر بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَاكَ كَافِر بِي مُؤْمِن بِالْكَوْكَبِ ".
يَعْنِي الْقُرْآن , وَقَدْ جَرَى ذِكْره فِي أَوَّل السُّورَة : قَوْله تَعَالَى : " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان " [ الْفُرْقَان : 1 ] . وَقَوْله : " لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْر بَعْد إِذْ جَاءَنِي " [ الْفُرْقَان : 29 ] وَقَوْله : " اِتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآن مَهْجُورًا " [ الْفُرْقَان : 30 ] . " لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إِلَّا كُفُورًا " أَيْ جُحُودًا لَهُ وَتَكْذِيبًا بِهِ . وَقِيلَ : " وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ " هُوَ الْمَطَر . رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : وَأَنَّهُ لَيْسَ عَام بِأَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَام وَلَكِنَّ اللَّه يَصْرِفهُ حَيْثُ يَشَاء , فَمَا زِيدَ لِبَعْضٍ نَقَصَ مِنْ غَيْرهمْ . فَهَذَا مَعْنَى التَّصْرِيف . وَقِيلَ : " صَرَّفْنَاهُ بَيْنهمْ " وَابِلًا وَطَشًّا وَطَلًّا وَرِهَامًا - الْجَوْهَرِيّ : الرِّهَام الْأَمْطَار اللَّيِّنَة - وَرَذَاذًا . وَقِيلَ : تَصْرِيفه تَنْوِيع الِانْتِفَاع بِهِ فِي الشُّرْب وَالسَّقْي وَالزِّرَاعَات بِهِ وَالطَّهَارَات وَسَقْي الْبَسَاتِين وَالْغُسْل وَشَبَهه .

قَالَ عِكْرِمَة : هُوَ قَوْلهمْ فِي الْأَنْوَاء : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا نَعْلَم بَيْن أَهْل التَّفْسِير اِخْتِلَافًا أَنَّ الْكُفْر هَاهُنَا قَوْلهمْ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ; وَأَنَّ نَظِيره فَعَلَ النَّجْم كَذَا , وَأَنَّ كُلّ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ فِعْلًا فَهُوَ كَافِر . وَرَوَى الرَّبِيع بْن صُبَيْح قَالَ : مُطِرَ النَّاس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة , فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْبَحَ النَّاس فِيهَا رَجُلَيْنِ شَاكِر وَكَافِر فَأَمَّا الشَّاكِر فَيَحْمَد اللَّه تَعَالَى عَلَى سُقْيَاهُ وَغِيَاثه وَأَمَّا الْكَافِر فَيَقُول مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ) . وَهَذَا مُتَّفَق عَلَى صِحَّته بِمَعْنَاهُ وَسَيَأْتِي فِي الْوَاقِعَة إِنْ شَاءَ اللَّه وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ سَنَة بِأَمْطَرَ مِنْ أُخْرَى وَلَكِنْ إِذَا عَمِلَ قَوْم بِالْمَعَاصِي صَرَفَ اللَّه ذَلِكَ إِلَى غَيْرهمْ فَإِذَا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّه ذَلِكَ إِلَى الْفَيَافِي وَالْبِحَار ) . وَقِيلَ : التَّصْرِيف رَاجِع إِلَى الرِّيح , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " لِيَذْكُرُوا " مُخَفَّفَة الذَّال مِنْ الذِّكْر . الْبَاقُونَ مُثَقَّلًا مِنْ التَّذَكُّر ؟ أَيْ لِيَذْكُرُوا نِعَم اللَّه وَيَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ بِهَا لَا يَجُوز الْإِشْرَاك بِهِ ; فَالتَّذَكُّر قَرِيب مِنْ الذِّكْر غَيْر أَنَّ التَّذَكُّر يُطْلَق فِيمَا بَعُدَ عَنْ الْقَلْب فَيَحْتَاج إِلَى تَكَلُّف فِي التَّذَكُّر .
مشاركة الموضوع