تفسير الطبري

سورة المؤمنون الآية ٥٦

نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾
{ نُسَارِع لَهُمْ } يَقُول : نُسَابِق لَهُمْ فِي خَيْرَات الْآخِرَة , وَنُبَادِر لَهُمْ فِيهَا ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19328 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَلِيّ , قَالَ : ثني أَشْعَث بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة , قَوْل اللَّه : { نُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات } ؟ قَالَ : يُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات . وَكَأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة وَجَّهَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ , إِلَى أَنَّ تَأْوِيله : يُسَارِع لَهُمْ إِمْدَادنَا إِيَّاهُمْ بِالْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الْخَيْرَات .

{ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره تَكْذِيبًا لَهُمْ : مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِمْدَادِي إِيَّاهُمْ بِمَا أَمُدّهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاء وَاسْتِدْرَاج لَهُمْ .
" بَل لَا يَشْعُرُونَ " أنما نملي لهم, ونمهلهم, ونمدهم بالنعم, ليزدادوا إثما, وليتوفر عقابهم في الآخرة, وليغتبطوا بما أوتوا " حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً " .
أيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟ إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.
"نُسَارِع" نُعَجِّل "لَهُمْ فِي الْخَيْرَات" لَا "بَلْ لَا يَشْعُرُونَ" أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاج لَهُمْ
وَقَوْله" أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ نُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات بَلْ لَا يَشْعُرُونَ " يَعْنِي أَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمَغْرُورُونَ أَنَّ مَا نُعْطِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا وَمَعَزَّتهمْ عِنْدنَا كَلَّا لَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَزْعُمُونَ فِي قَوْلهمْ " نَحْنُ أَكْثَر أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ " لَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ وَخَابَ رَجَاؤُهُمْ بَلْ إِنَّمَا نَفْعَل بِهِمْ ذَلِكَ اِسْتِدْرَاجًا وَإِنْظَارًا وَإِمْلَاء وَلِهَذَا قَالَ " بَلْ لَا يَشْعُرُونَ " كَمَا قَالَ تَعَالَى" فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " الْآيَة . وَقَالَ تَعَالَى " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا " وَقَالَ تَعَالَى " فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ " الْآيَة وَقَالَ " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا . إِلَى قَوْله - عَنِيدًا " وَقَالَ تَعَالَى" وَمَا أَمْوَالكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبكُمْ عِنْدنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا " الْآيَة . وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله " أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ نُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات بَلْ لَا يَشْعُرُونَ " قَالَ مَكْر وَاَللَّه بِالْقَوْمِ فِي أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ يَا اِبْن آدَم فَلَا تَعْتَبِر النَّاس بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادهمْ وَلَكِنْ اِعْتَبِرْهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَل الصَّالِح . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا أَبَان بْن إِسْحَاق عَنْ الصَّبَّاح بْن مُحَمَّد عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه قَسَمَ بَيْنكُمْ أَخْلَاقكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنكُمْ أَرْزَاقكُمْ وَإِنَّ اللَّه يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبّ وَمَنْ لَا يُحِبّ وَلَا يُعْطِي الدِّين إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّه الدِّين فَقَدْ أَحَبَّهُ وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يَسْلَم عَبْد حَتَّى يَسْلَم قَلْبه وَلِسَانه وَلَا يُؤْمِن حَتَّى يَأْمَن جَاره بَوَائِقه قَالُوا وَمَا بَوَائِقه يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " غَشْمه وَظُلْمه " وَلَا يَكْسِب عَبْد مَالًا مِنْ حَرَام فَيُنْفِق مِنْهُ فَيُبَارَك فِيهِ وَلَا يَتَصَدَّق بِهِ فَيُقْبَل مِنْهُ وَلَا يَتْرُكهُ خَلْف ظَهْره إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّار إِنَّ اللَّه لَا يَمْحُو السَّيِّئ بِالسَّيِّئِ وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئ بِالْحَسَنِ إِنَّ الْخَبِيث لَا يَمْحُو الْخَبِيث " .
قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ " أَنَّ " كَافِيَة مِنْ اِسْم أَنَّ وَخَبَرهَا وَلَا يَجُوز أَنْ يُؤْتَى بَعْد " أَنَّ " بِمَفْعُولٍ ثَانٍ . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة " يُسَارِع " بِالْيَاءِ , عَلَى أَنْ يَكُون فَاعِله إِمْدَادنَا . وَهَذَا يَجُوز أَنْ يَكُون عَلَى غَيْر حَذْف ; أَيْ يُسَارِع لَهُمْ الْإِمْدَاد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِ حَذْف , وَيَكُون الْمَعْنَى يُسَارِع اللَّه لَهُمْ . وَقُرِئَ " يُسَارِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات " وَفِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا عَلَى حَذْف بِهِ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون يُسَارِع الْإِمْدَاد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " لَهُمْ " اِسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَقَرَأَ الْحُرّ النَّحْوِيّ " نُسْرِع لَهُمْ فِي الْخَيْرَات " وَهُوَ مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة. قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَالصَّوَاب قِرَاءَة الْعَامَّة ; لِقَوْلِهِ " نُمِدّهُمْ " .


أَنَّ ذَلِكَ فِتْنَة لَهُمْ وَاسْتِدْرَاج .
مشاركة الموضوع