تفسير الطبري

سورة المؤمنون الآية ٣٤

وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ ﴿٣٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الْمَلَأ مِنْ قَوْم صَالِح لِقَوْمِهِمْ : { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلكُمْ } فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَقَبِلْتُمْ مَا يَقُول وَصَدَّقْتُمُوهُ . { إِنَّكُمْ } أَيّهَا الْقَوْم { إِذًا لَخَاسِرُونَ } يَقُول : قَالُوا : إِنَّكُمْ إِذَنْ لَمَغْبُونُونَ حُظُوظكُمْ مِنَ الشَّرَف وَالرِّفْعَة فِي الدُّنْيَا , بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ .
" وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ " أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا, وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل, نادمون على ما فعلتم.
وهذا من العجب, فإن الخسارة والندامة حقيقة, لمن لم يتابعه, ولم ينقد له.
والجهل والسفه العظيم, لمن تكبر عن الانقياد لبشر, خصه الله بوحيه, وفضله برسالته, وابتلي بعبادة الشجر والحجر.
وهذا نظير قولهم: " فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ " .
فلما أنكروا رسالته وردوها, أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت, والمجازاة على الأعمال فقالوا:
ولئن اتبعتم فردًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه.
"وَ" اللَّهِ "لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلكُمْ" فِيهِ قَسَم وَشَرْط وَالْجَوَاب لِأَوَّلِهِمَا وَهُوَ مُغْنٍ عَنْ جَوَاب الثَّانِي "إنَّكُمْ إذًا" أَيْ إذَا أَطَعْتُمُوهُ "لَخَاسِرُونَ" أَيْ مَغْبُونُونَ
فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ وَأَبَوْا عَنْ اِتِّبَاعه لِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلهمْ وَاسْتَنْكَفُوا عَنْ اِتِّبَاع رَسُول بَشَرِيّ وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه فِي الْقِيَامَة وَأَنْكَرُوا الْمَعَاد الْجُثْمَانِيّ .
يُرِيد لَمَغْبُونُونَ بِتَرْكِكُمْ آلِهَتكُمْ وَاتِّبَاعكُمْ إِيَّاهُ مِنْ غَيْر فَضِيلَة لَهُ عَلَيْكُمْ.
مشاركة الموضوع