تفسير الطبري

سورة المؤمنون الآية ١١٥

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾
وَقَوْله : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَحَسِبْتُمْ أَيّهَا الْأَشْقِيَاء أَنَّا إِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ إِذْ خَلَقْنَاكُمْ لَعِبًا وَبَاطِلًا , وَأَنَّكُمْ إِلَى رَبّكُمْ بَعْد مَمَاتكُمْ لَا تَصِيرُونَ أَحْيَاء فَتُجْزَوْنَ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ ؟ . وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة : { لَا تُرْجَعُونَ } بِضَمِّ التَّاء : لَا تُرَدُّونَ , وَقَالُوا : إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرْجِع الْآخِرَة لَا مِنَ الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لَا تُرْجَعُونَ " وَقَالُوا : سَوَاء فِي ذَلِكَ مَرْجِع الْآخِرَة وَالرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَنْ رَدَّهُ اللَّه إِلَى الْآخِرَة مِنَ الدُّنْيَا بَعْد فَنَائِهِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهَا , وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهَا فَبِرَدِّ اللَّه إِيَّاهُ إِلَيْهَا رَجَعَ . وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنَ الْقُرَّاء , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19452 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } قَالَ : بَاطِلًا.
أي " أَفَحَسِبْتُمْ " أيها الخلق " أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا " أي: سدى وباطلا, تأكلون وتشربون, وتمرحون, وتتمتعون بلذات الدنيا, ونترككم, لا نأمركم, ولا ننهاكم, ولا نثيبكم, ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: " وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ " لا يخطر هذا ببالكم.
أفحسبتم- أيها الخلق- أنما خلقناكم مهملين، لا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، وأنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء؟
"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا" لَا لِحِكْمَةٍ "وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ؟ لَا بَلْ لِنَتَعَبَّدكُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي تُرْجَعُونَ إلَيْنَا وَنُجَازِي عَلَى ذَلِكَ
وَقَوْله تَعَالَى " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا " أَيْ أَفَظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ مَخْلُوقُونَ عَبَثًا بِلَا قَصْد وَلَا إِرَادَة مِنْكُمْ وَلَا حِكْمَة لَنَا وَقِيلَ لِلْعَبَثِ أَيْ لِتَلْعَبُوا وَتَعْبَثُوا كَمَا خُلِقَتْ الْبَهَائِم لَا ثَوَاب لَهَا وَلَا عِقَاب وَإِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ لِلْعِبَادَةِ وَإِقَامَة أَوَامِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" أَيْ لَا تَعُودُونَ فِي الدَّار الْآخِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَيَحْسَبُ الْإِنْسَان أَنْ يُتْرَك سُدًى " يَعْنِي هَمَلًا .
أَيْ مُهْمَلِينَ كَمَا خُلِقَتْ الْبَهَائِم لَا ثَوَاب لَهَا وَلَا عِقَاب عَلَيْهَا ; مِثْل قَوْله تَعَالَى : " أَيَحْسَبُ الْإِنْسَان أَنْ يُتْرَك سُدًى " [ الْقِيَامَة : 36 ] يُرِيد كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلًا لِغَيْرِ فَائِدَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْق عَبِيدًا لِيَعْبُدُوهُ , فَيُثِيبهُمْ عَلَى الْعِبَادَة وَيُعَاقِبهُمْ عَلَى تَرْكهَا , فَإِنْ عَبَدُوهُ فَهُمْ الْيَوْم لَهُ عَبِيد أَحْرَار كِرَام مِنْ رِقّ الدُّنْيَا , مُلُوك فِي دَار الْإِسْلَام ; وَإِنْ رَفَضُوا الْعُبُودِيَّة فَهُمْ الْيَوْم عَبِيد أُبَّاق سُقَّاط لِئَام , وَغَدًا أَعْدَاء فِي السُّجُون بَيْن أَطْبَاق النِّيرَان . وَ " عَبَثًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال عِنْد سِيبَوَيْهِ وَقُطْرُب . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر أَوْ لِأَنَّهُ مَفْعُول لَهُ .



فَتُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِكُمْ . قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " تَرْجِعُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْر الْجِيم مِنْ الرُّجُوع .
مشاركة الموضوع