تفسير الطبري

سورة الحج الآية ٥٣

لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿٥٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْقَاسِيَة قُلُوبهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَيَنْسَخ اللَّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَان , ثُمَّ يُحْكِم اللَّه آيَاته , كَيْ يَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّة نَبِيّه مِنَ الْبَاطِل , كَقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تِلْكَ الْغَرَانِيق الْعُلَى , وَإِنَّ شَفَاعَتهنَّ لَتُرْتَجَى " . { فِتْنَة } يَقُول : اخْتِبَارًا يُخْتَبَر بِهِ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض مِنَ النِّفَاق ; وَذَلِكَ الشَّكّ فِي صَدّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقِيقَة مَا يُخْبِرهُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19167 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَعِيب اللَّه آلِهَة الْمُشْرِكِينَ , فَأَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته , فَقَالَ : " إِنَّ الْآلِهَة الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ شَفَاعَتهَا لَتُرْتَجَى وَأَنَّهَا لَلْغَرَانِيق الْعُلَى " . فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ , وَأَحْكَمَ اللَّه آيَاته : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } 53 19 حَتَّى بَلَغَ : { مِنْ سُلْطَان } 53 23 قَالَ قَتَادَة : لَمَّا أَلْقَى الشَّيْطَان مَا أَلْقَى , قَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ ذَكَرَ اللَّه آلِهَتهمْ بِخَيْرٍ ! فَفَرِحُوا بِذَلِكَ , فَذَكَرَ قَوْله : { لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . 19168 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } يَقُول : وَلِلَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبهمْ عَنِ الْإِيمَان بِاللَّهِ , فَلَا تَلِين وَلَا تَرْعَوِي , وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19169 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { وَالْقَاسِيَة قُلُوبهمْ } قَالَ : الْمُشْرِكُونَ.

وَقَوْله : { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ مُشْرِكِي قَوْمك يَا مُحَمَّد لَفِي خِلَاف اللَّه فِي أَمْره , بَعِيد مِنَ الْحَقّ .
" لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً " لطائفتين من الناس, لا يبالي الله بهم.
" لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " أي: ضعف وعدم إيمان تام, وتصديق جازم, فيؤثر في قلوبهم, أدنى شبهة تطرأ عليها, فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان, داخلهم الريب والشك, فصار فتنة لهم.
" وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ " أي: الغليظة, التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير, ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها.
فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان, جعلوه حجة لهم على باطلهم, وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله, ولهذا قال: " وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " أي: مشاقة لله, ومعاندة للحق, ومخالفة له, بعيد من الصواب.
فما يلقيه الشيطان, يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين, فيظهر به ما في قلوبهم, من الخبث الكامن فيها.
وأما الطائفة الثالثة, فإنه يكون رحمة في حقها, وهم المذكورون بقوله:
وما كان هذا الفعل مِنَ الشيطان إلا ليجعله الله اختبارًا للذين في قلوبهم شك ونفاق، ولقساة القلوب من المشركين الذين لا يؤثِّرُ فيهم زجر. وإن الظالمين مِن هؤلاء وأولئك في عداوة شديدة لله ورسوله وخلافٍ للحق بعيد عن الصواب.
"لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة" مِحْنَة "لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" شِقَاق وَنِفَاق "وَالْقَاسِيَة قُلُوبهمْ" أَيْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ قَبُول الْحَقّ "وَإِنَّ الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ "لَفِي شِقَاق بَعِيد" خِلَاف طَوِيل مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ جَرَى عَلَى لِسَانه ذِكْر آلِهَتهمْ بِمَا يُرْضِيهِمْ ثُمَّ أُبْطِلَ ذَلِكَ
" لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْقَاسِيَة قُلُوبهمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد" فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّه قَضَاءَهُ وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْع الشَّيْطَان اِنْقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَعَدَاوَتهمْ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَل وَفِي تَفْسِير اِبْن جَرِير عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام نَحْوه وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه دَلَائِل النُّبُوَّة فَلَمْ يَجُزْ بِهِ مُوسَى بْن عُقْبَة سَاقَهُ مِنْ مَغَازِيه بِنَحْوِهِ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق هَذِهِ الْقِصَّة " قُلْت " وَقَدْ ذَكَرَهَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَكُلّهَا مُرْسَلَات وَمُنْقَطِعَات وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ سَاقَهَا الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره مَجْمُوعَة مِنْ كَلَام اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَغَيْرهمَا بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ هَهُنَا سُؤَالًا كَيْف وَقَعَ مِثْل هَذَا مَعَ الْعِصْمَة الْمَضْمُونَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَاة اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ ثُمَّ حَكَى أَجْوِبَة عَنْ النَّاس مِنْ أَلْطَفهَا أَنَّ الشَّيْطَان أَوْقَع فِي مَسَامِع الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ صَدَرَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر بَلْ إِنَّمَا كَانَ مِنْ صَنِيع الشَّيْطَان لَا عَنْ رَسُول الرَّحْمَن وَاَللَّه أَعْلَم . وَهَكَذَا تَنَوَّعَتْ أَجْوِبَة الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيرِ صِحَّته وَقَدْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَاب الشِّفَاء لِهَذَا وَأَجَابَ بِمَا حَاصِله أَنَّهَا كَذَلِكَ لِثُبُوتِهَا وَقَوْله " إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته " هَذَا فِيهِ تَسْلِيَة مِنْ اللَّه لِرَسُولِهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ أَيْ لَا يُهِيدَنَّك فَقَدْ أَصَابَ مِثْل هَذَا مَنْ قَبْلك مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاء قَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ اِبْن عَبَّاس " فِي أُمْنِيَّته " إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَان فِي حَدِيثه فَيُبْطِل اللَّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَان " ثُمَّ يُحْكِم اللَّه آيَاته " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس" إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته " يَقُول إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَان فِي حَدِيثه وَقَالَ مُجَاهِد " إِذَا تَمَنَّى" يَعْنِي إِذَا قَالَ يُقَال أُمْنِيَّته قِرَاءَته " إِلَّا أَمَانِيّ" يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا مَعْنَى قَوْله " تَمَنَّى " أَيْ تَلَا وَقَرَأَ كِتَاب اللَّه" أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته " أَيْ فِي تِلَاوَته قَالَ الشَّاعِر فِي عُثْمَان حِين قُتِلَ : تَمَنَّى كِتَاب اللَّه أَوَّل لَيْلَة وَآخِرهَا لَاقَى حِمَام الْمَقَادِر وَقَالَ الضَّحَّاك " إِذَا تَمَنَّى " إِذَا تَلَا قَالَ اِبْن جَرِير هَذَا الْقَوْل أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْكَلَام وَقَوْله " فَيَنْسَخ اللَّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَان " حَقِيقَة النَّسْخ لُغَة : الْإِزَالَة وَالرَّفْع قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْ فَيُبْطِل اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا أَلْقَى الشَّيْطَان وَقَالَ الضَّحَّاك نَسَخَ جِبْرِيل بِأَمْرِ اللَّه مَا أَلْقَى الشَّيْطَان وَأَحْكَمَ اللَّه آيَاته وَقَوْله " وَاَللَّه عَلِيم " أَيْ بِمَا يَكُون مِنْ الْأُمُور وَالْحَوَادِث لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة " حَكِيم " أَيْ فِي تَقْدِيره وَخَلْقه وَأَمْره لَهُ الْحِكْمَة التَّامَّة وَالْحُجَّة الْبَالِغَة وَلِهَذَا قَالَ" لِيَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَان فِتْنَة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض " أَيْ شَكّ وَشِرْك وَكُفْر وَنِفَاق كَالْمُشْرِكِينَ حِين فَرِحُوا بِذَلِكَ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ صَحِيح مِنْ عِنْد اللَّه وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ الشَّيْطَان قَالَ اِبْن جُرَيْج " الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض " هُمْ الْمُنَافِقُونَ " وَالْقَاسِيَة قُلُوبهمْ " هُمْ الْمُشْرِكُونَ وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان هُمْ الْيَهُود " وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد " أَيْ فِي ضَلَال وَمُخَالَفَة وَعِنَاد بَعِيد أَيْ مِنْ الْحَقّ وَالصَّوَاب .
أَيْ ضَلَالَة .



أَيْ شِرْك وَنِفَاق .



فَلَا تَلِين لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاء يَجُوز عَلَيْهِمْ السَّهْو وَالنِّسْيَان وَالْغَلَط بِوَسْوَاسِ الشَّيْطَان أَوْ عِنْد شُغْل الْقَلْب حَتَّى يَغْلَط , ثُمَّ يُنَبَّه وَيَرْجِع إِلَى الصَّحِيح ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " فَيَنْسَخ اللَّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَان ثُمَّ يُحْكِم اللَّه آيَاته " . وَلَكِنْ إِنَّمَا يَكُون الْغَلَط عَلَى حَسَب مَا يَغْلَط أَحَدنَا , فَأَمَّا مَا يُضَاف إِلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ : تِلْكَ الْغَرَانِيق الْعُلَا , فَكَذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيم الْأَصْنَام , وَلَا يَجُوز ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاء , كَمَا لَا يَجُوز أَنْ يَقْرَأ بَعْض الْقُرْآن ثُمَّ يُنْشِد شِعْرًا وَيَقُول : غَلِطْت وَظَنَنْته قُرْآنًا .



أَيْ الْكَافِرِينَ لَفِي خِلَاف وَعِصْيَان وَمُشَاقَّة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده .
مشاركة الموضوع