تفسير الطبري

سورة الحج الآية ٣٠

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴿٣٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه فَهُوَ خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ { ذَلِكَ } هَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ مِنْ قَضَاء التَّفَث وَالْوَفَاء بِالنُّذُورِ وَالطَّوَاف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق , هُوَ الْفَرْض الْوَاجِب عَلَيْكُمْ يَا أَيّهَا النَّاس فِي حَجّكُمْ . { وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه فَهُوَ خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه } يَقُول : وَمَنْ يَجْتَنِب مَا أَمَرَهُ اللَّه بِاجْتِنَابِهِ فِي حَال إِحْرَامه تَعْظِيمًا مِنْهُ لِحُدُودِ اللَّه أَنْ يُوَاقِعهَا وَحَرَّمَهُ أَنْ يَسْتَحِلّهَا , فَهُوَ خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه فِي الْآخِرَة . كَمَا : 19001 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه } قَالَ : الْحُرْمَة : مَكَّة وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيه كُلّهَا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19002 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه } قَالَ : الْحُرُمَات : الْمَشْعَر الْحَرَام , وَالْبَيْت الْحَرَام , وَالْمَسْجِد الْحَرَام , وَالْبَلَد الْحَرَام ; هَؤُلَاءِ الْحُرُمَات .

وَقَوْله : {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَام } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَحَلَّ اللَّه لَكُمْ أَيّهَا النَّاس الْأَنْعَام أَنْ تَأْكُلُوهَا إِذَا ذَكَّيْتُمُوهَا , فَلَمْ يُحَرِّم عَلَيْكُمْ مِنْهَا بَحِيرَة , وَلَا سَائِبَة , وَلَا وَصِيلَة , وَلَا حَامًا , وَلَا مَا جَعَلْتُمُوهُ مِنْهَا لِآلِهَتِكُمْ . { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } يَقُول : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي كِتَاب اللَّه , وَذَلِكَ : الْمَيْتَة , وَالدَّم , وَلَحْم الْخِنْزِير , وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ , وَالْمُنْخَنِقَة , وَالْمَوْقُوذَة , وَالْمُتَرَدِّيَة , وَالنَّطِيحَة , وَمَا أَكَلَ السَّبُع , وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب ; فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه رِجْس . كَمَا : 19003 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } قَالَ : إِلَّا الْمَيْتَة , وَمَا لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .


وَقَوْله : {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان } يَقُول : فَاتَّقُوا عِبَادَة الْأَوْثَان , وَطَاعَة الشَّيْطَان فِي عِبَادَتهَا فَإِنَّهَا رِجْس . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19004 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاجْتَنِبُوا طَاعَة الشَّيْطَان فِي عِبَادَة الْأَوْثَان . 19005 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج فِي قَوْله : { الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان } قَالَ : عِبَادَة الْأَوْثَان .


وَقَوْله : { وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاتَّقُوا قَوْل الْكَذِب وَالْفِرْيَة عَلَى اللَّه بِقَوْلِكُمْ فِي الْآلِهَة : { مَا نَعْبُدهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى } 39 3 وَقَوْلكُمْ لِلْمَلَائِكَةِ : هِيَ بَنَات اللَّه , وَنَحْو ذَلِكَ مِنَ الْقَوْل , فَإِنَّ ذَلِكَ كَذِب وَزُور وَشِرْك بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ : أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19006 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { قَوْل الزُّور } قَالَ : الْكَذِب . حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 19007 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ } يَعْنِي : الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه وَالتَّكْذِيب . 19008 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ وَائِل بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : تُعْدَل شَهَادَة الزُّور بِالشِّرْكِ , وَقَرَأَ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور } . 19009 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , عَنْ عَاصِم , عَنْ وَائِل بْن رَبِيعَة , قَالَ : عُدِلَتْ شَهَادَة الزُّور الشِّرْك , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور } . 19010 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : ثنا سُفْيَان الْعُصْفُرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ خُرَيْم بْن فَاتِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عُدِلَتْ شَهَادَة الزُّور بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور } . 19011 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ سُفْيَان الْعُصْفُرِيّ , عَنْ فَاتِك بْن فَضَالَة , عَنْ أَيْمَن بْن خُرَيْم , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس عُدِلَتْ شَهَادَة الزُّور بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ " مَرَّتَيْنِ . ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور } . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ : اجْتَنِبُوا أَنْ تُرْجَسُوا أَنْتُمْ أَيّهَا النَّاس مِنَ الْأَوْثَان بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ مِنَ الْأَوْثَان مَا لَيْسَ بِرِجْسٍ حَتَّى قِيلَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْهَا ؟ قِيلَ : كُلّهَا رِجْس , وَلَيْسَ الْمَعْنَى مَا ذَهَبْت إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس الَّذِي يَكُون مِنَ الْأَوْثَان أَيْ عِبَادَتهَا , فَالَّذِي أَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس } مِنْهَا اتِّقَاء عِبَادَتهَا , وَتِلْكَ الْعِبَادَة هِيَ الرِّجْس , عَلَى مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْله قَبْل .
" ذَلِكَ " أي: ما ذكرنا لكم من تلكم الأحكام, وما فيها من تعظيم حرمات الله وإجلالها, وتكريمها, لأن تعظيم حرمات الله, من الأمور المحبوبة لله, المقربة إليه, التي من عظمها وأجلها, أثابه الله ثوابا جزيلا, وكانت خيرا له, في دينه, ودنياه وأخراه, عند ربه.
وحرمات الله: كل ما له حرمة, وأمر باحترامه, من عبادة أو غيرها, كالمناسك كلها, وكالحرم والإحرام, وكالهدايا, وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها.
فتعظيمها يكون إجلالا بالقلب, ومحبتها, وتكميل العبودية فيها, غير متهاون, ولا متكاسل, ولا متثاقل.
ثم ذكر منته وإحسانه, بما أحله لعباده, من بهيمة الأنعام, من إبل وبقر, وغنم, وشرعها من جملة المناسك, التي يتقرب بها إليه, فعظمت منته فيها من الوجهين.
" إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " في القرآن تحريمه من قوله: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ " الآية.
ولكن الذي من رحمته بعباده, أن حرمه عليهم, ومنعهم منه, تزكية لهم, وتطهيرا من الشرك به, وقول الزور, ولهذا قال: " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ " أي الخبث القذر " مِنَ الْأَوْثَانِ " أي الأنداد, التي جعلتموها آلهة مع الله, فإنها أكبر أنواع الرجس.
والظاهر أن " من " هنا ليست لبيان الجنس, كما قاله كثير من المفسرين, وإنما هي للتبعيض, وأن الرجس عام في جميع المنهيات المحرمات.
فيكون منهيا عنها عموما, وعن الأوثان التي هي بعضها خصوصا.
" وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " أي: جميع الأقوال المحرمات, فإنها من قول الزور.
ذلك الذي أمر الله به مِن قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت، هو ما أوجبه الله عليكم فعظِّموه، ومن يعظم حرمات الله، ومنها مناسكه بأدائها كاملة خالصة لله، فهو خير له في الدنيا والآخرة. وأحلَّ الله لكم أَكْلَ الأنعام إلا ما حرَّمه فيما يتلى عليكم في القرآن من الميتة وغيرها فاجتنبوه، وفي ذلك إبطال ما كانت العرب تحرِّمه من بعض الأنعام، وابتعِدوا عن القذارة التي هي الأوثان، وعن الكذب الذي هو الافتراء على الله.
"ذَلِكَ" خَبَر مُبْتَدَأ مُقَدَّر : أَيْ الْأَمْر أَوْ الشَّأْن ذَلِكَ الْمَذْكُور "وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه" هِيَ مَا لَا يَحِلّ انْتِهَاكه "فَهُوَ" أَيْ تَعْظِيمهَا "خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه" فِي الْآخِرَة "وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَام" أَكْلًا بَعْد الذَّبْح "إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ" تَحْرِيمه فِي "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة" الْآيَة فَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَّصِلًا وَالتَّحْرِيم لِمَا عَرَضَ مِنْ الْمَوْت وَنَحْوه "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْ الْأَوْثَان" مِنْ لِلْبَيَانِ أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَان "وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور" أَيْ الشِّرْك بِاَللَّهِ فِي تَلْبِيَتكُمْ أَوْ شَهَادَة الزُّور
يَقُول تَعَالَى هَذَا الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الطَّاعَات فِي أَدَاء الْمَنَاسِك وَمَا يُلْقَى عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَاب الْجَزِيل" وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه " أَيْ وَمَنْ يَجْتَنِب مَعَاصِيه وَمَحَارِمه وَيَكُون اِرْتِكَابهَا عَظِيمًا فِي نَفْسه " فَهُوَ خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه " أَيْ فَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْر كَثِير وَثَوَاب جَزِيل فَكَمَا عَلَى فِعْل الطَّاعَات ثَوَاب كَثِير وَأَجْر جَزِيل كَذَلِكَ عَلَى تَرْك الْمُحَرَّمَات وَاجْتِنَاب الْمَحْظُورَات . قَالَ اِبْن جُرَيْج قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله " ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَات اللَّه " قَالَ الْحُرْمَة مَكَّة وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة وَمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيه كُلّهَا وَكَذَا قَالَ اِبْن زَيْد . قَوْله" وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " أَيْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ جَمِيع الْأَنْعَام وَمَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ وَقَوْله : " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " أَيْ مِنْ تَحْرِيم الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة الْآيَة. قَالَ ذَلِكَ اِبْن جَرِير وَحَكَاهُ عَنْ قَتَادَة وَقَوْله " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور " مِنْ هَهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْس أَيْ اِجْتَنِبُوا الرِّجْس الَّذِي هُوَ الْأَوْثَان وَقَرَنَ الشِّرْك بِاَللَّهِ بِقَوْلِ الزُّور كَقَوْلِهِ " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْم وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" وَمِنْهُ شَهَادَة الزُّور وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَر الْكَبَائِر ؟ " قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ " الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ - أَلَا وَقَوْل الزُّور أَلَا وَشَهَادَة الزُّور " فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْفَزَارِيّ أَنْبَأَنَا سُفْيَان بْن زِيَاد عَنْ فَاتِك بْن فَضَالَة عَنْ أَيْمَن بْن خُرَيْم قَالَ قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس عَدَلَتْ شَهَادَة الزُّور إِشْرَاكًا بِاَللَّهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَرَأَ " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور " " وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع عَنْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة بِهِ ثُمَّ قَالَ غَرِيب إِنَّمَا نَعْرِفهُ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن زِيَاد وَقَدْ اِخْتَلَفَ عَنْهُ رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث وَلَا نَعْرِف لِأَيْمَن بْن خُرَيْم سَمَاعًا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا سُفْيَان الْعُصْفُرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيب بْن النُّعْمَان الْأَسَدِيّ عَنْ خُرَيْم بْن فَاتِك الْأَسَدِيّ قَالَ : صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْح فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ : " عَدَلَتْ شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنْ الْأَوْثَان وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّور " .
" ذَلِكَ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِتَقْدِيرِ : فَرْضكُمْ ذَلِكَ , أَوْ الْوَاجِب ذَلِكَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب بِتَقْدِيرِ : اِمْتَثِلُوا ذَلِكَ ; وَنَحْو هَذِهِ الْإِشَارَة الْبَلِيغَة قَوْل زُهَيْر : هَذَا وَلَيْسَ كَمَنْ يَعْيَا بِخُطَّتِهِ وَسْط النَّدِيّ إِذَا مَا قَائِل نَطَقَا وَالْحُرُمَات الْمَقْصُودَة هُنَا هِيَ أَفْعَال الْحَجّ الْمُشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله : " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثهمْ وَلْيُوفُوا نُذُورهمْ " وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَوَاضِع ; قَالَهُ اِبْن زَيْد وَغَيْره . وَيَجْمَع ذَلِكَ أَنْ تَقُول : الْحُرُمَات اِمْتِثَال الْأَمْر مِنْ فَرَائِضه وَسُنَنه .


أَيْ التَّعْظِيم خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه مِنْ التَّهَاوُن بِشَيْءٍ مِنْهَا . وَقِيلَ : ذَلِكَ التَّعْظِيم خَيْر مِنْ خَيْرَاته يَنْتَفِع بِهِ , وَلَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ وَإِنَّمَا هِيَ عِدَة بِخَيْرٍ .


أَنْ تَأْكُلُوهَا ; وَهِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم .



أَيْ فِي الْكِتَاب مِنْ الْمُحَرَّمَات ; وَهِيَ الْمَيْتَة وَالْمَوْقُوذَة وَأَخَوَاتهَا . وَلِهَذَا اِتِّصَال بِأَمْرِ الْحَجّ ; فَإِنَّ فِي الْحَجّ الذَّبْح , فَبَيَّنَ مَا يَحِلّ ذَبْحه وَأَكْل لَحْمه . وَقِيلَ : " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " غَيْر مَحِلِّي الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم .



الرِّجْس : الشَّيْء الْقَذِر . الْوَثَن : التِّمْثَال مِنْ خَشَب أَوْ حَدِيد أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة وَنَحْوهَا , وَكَانَتْ الْعَرَب تَنْصِبهَا وَتَعْبُدهَا . وَالنَّصَارَى تَنْصِب الصَّلِيب وَتَعْبُدهُ وَتُعَظِّمهُ فَهُوَ كَالتِّمْثَالِ أَيْضًا . وَقَالَ عَدِيّ بْن حَاتِم : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيب مِنْ ذَهَب فَقَالَ : ( أَلْقِ هَذَا الْوَثَن عَنْك ) أَيْ الصَّلِيب ; وَأَصْله مِنْ وَثَنَ الشَّيْء أَيْ أَقَامَ فِي مَقَامه . وَسُمِّيَ الصَّنَم وَثَنًا لِأَنَّهُ يُنْصَب وَيُرْكَز فِي مَكَان فَلَا يُبْرَح عَنْهُ . يُرِيد اِجْتَنِبُوا عِبَادَة الْأَوْثَان , رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُرَيْج . وَسَمَّاهَا رِجْسًا لِأَنَّهَا سَبَب الرِّجْز وَهُوَ الْعَذَاب . وَقِيلَ : وَصَفَهَا بِالرِّجْسِ , وَالرِّجْس النِّجْس فَهِيَ نَجِسَة حُكْمًا . وَلَيْسَتْ النَّجَاسَة وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا هِيَ وَصْف شَرْعِيّ مِنْ أَحْكَام الْإِيمَان , فَلَا تُزَال إِلَّا بِالْإِيمَانِ كَمَا لَا تَجُوز الطَّهَارَة إِلَّا بِالْمَاءِ .

" مِنْ " فِي قَوْله : " مِنْ الْأَوْثَان " قِيلَ : إِنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْس , فَيَقَع نَهْيه عَنْ رِجْس الْأَوْثَان فَقَطْ , وَيَبْقَى سَائِر الْأَرْجَاس نَهْيهَا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِابْتِدَاءِ الْغَايَة ; فَكَأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ الرِّجْس عَامًّا ثُمَّ عَيَّنَ لَهُمْ مَبْدَأَهُ الَّذِي مِنْهُ يَلْحَقهُمْ ; إِذْ عِبَادَة الْوَثَن جَامِعَة لِكُلِّ فَسَاد وَرِجْس . وَمَنْ قَالَ إِنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ , قَلَبَ مَعْنَى الْآيَة وَأَفْسَدَهُ .



وَالزُّور : الْبَاطِل وَالْكَذِب . وَسُمِّيَ زُورًا لِأَنَّهُ أَمْيَل عَنْ الْحَقّ ; وَمِنْهُ " تَزَاوَر عَنْ كَهْفهمْ " , [ الْكَهْف : 17 ] , وَمَدِينَة زَوْرَاء ; أَيْ مَائِلَة . وَكُلّ مَا عَدَا الْحَقّ فَهُوَ كَذِب وَبَاطِل وَزُور . وَفِي الْخَبَر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : ( عَدَلَتْ شَهَادَة الزُّور الشِّرْك بِاَللَّهِ ) قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . يَعْنِي أَنَّهَا قَدْ جُمِعَتْ مَعَ عِبَادَة الْوَثَن فِي النَّهْي عَنْهَا .

هَذِهِ الْآيَة تَضَمَّنَتْ الْوَعِيد عَلَى الشَّهَادَة بِالزُّورِ , وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إِذَا عَثَرَ عَلَى الشَّاهِد بِالزُّورِ أَنْ يُعَزِّرهُ وَيُنَادِي عَلَيْهِ لِيَعْرِف لِئَلَّا يَغْتَرّ بِشَهَادَتِهِ أَحَد . وَيَخْتَلِف الْحُكْم فِي شَهَادَته إِذَا تَابَ ; فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعَدَالَة الْمَشْهُور بِهَا الْمُبْرِز فِيهَا لَمْ تُقْبَل ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى عِلْم حَاله فِي التَّوْبَة ; إِذْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَفْعَل مِنْ الْقُرُبَات أَكْثَر مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَشَمَّرَ فِي الْعِبَادَة وَزَادَتْ حَاله فِي التُّقَى قَبْل شَهَادَته . وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَة الزُّور وَقَوْل الزُّور ) . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ .
مشاركة الموضوع