تفسير الطبري

سورة الأنبياء الآية ٩٣

وَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ ﴿٩٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتُقَطَّعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَفَرَّقَ النَّاس فِي دِينهمْ الَّذِي أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ , فَصَارُوا فِيهِ أَحْزَابًا ; فَهَوَّدَتْ الْيَهُود , وَتَنَصَّرَتْ النَّصَارَى وَعَبَدَتْ الْأَوْثَان . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ , وَأَنَّ مَرْجِع جَمِيع أَهْل الْأَدْيَان إِلَيْهِ ; مُتَوَعِّدًا بِذَلِكَ أَهْل الزَّيْغ مِنْهُمْ وَالضَّلَال , وَمُعَلِّمهمْ أَنَّهُ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , وَأَنَّهُ مُجَازٍ جَمِيعهمْ جَزَاء الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَتُقَطَّعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18732 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتُقَطَّعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ } قَالَ : تُقَطَّعُوا : اِخْتَلَفُوا فِي الدِّين .
وكان اللائق, الاجتماع على هذا الأمر, وعدم التفرق فيه.
ولكن البغي والاعتداء, أبيا إلا الافتراق والتقطع.
ولهذا قال " وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ " أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لأتباع الأنبياء فرقا, وتشتتوا, كل يدعي أن الحق معه, والباطل مع الفريق الآخر و " كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " وقد علم أن المصيب منهم, من كان سالكا للدين القويم, والصراط المستقيم, مؤتما بالأنبياء وسيظهر هذا, إذا انكشف الغطاء, وبرح الخفاء, وحشر الله الناس لفصل القضاء.
فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب.
ولهذا قال: " كُلِّ " من الفرق المتفرقة وغيرهم " إِلَيْنَا رَاجِعُونَ " أي: فنجازيهم أتم الجزاء.
لكن الناس اختلفوا على رسلهم، وتفرَّق كثير من أتباعهم في الدين شيعًا وأحزابًا، فعبدوا المخلوقين والأهواء، وكلهم راجعون إلينا ومحاسبون على ما فعلوا.
"وَتَقَطَّعُوا" أَيْ بَعْض الْمُخَاطَبِينَ "أَمْرهمْ بَيْنهمْ" أَيْ تَفَرَّقُوا أَمْر دِينهمْ مُتَخَالِفِينَ فِيهِ وَهُمْ طَوَائِف الْيَهُود وَالنَّصَارَى "كُلّ إلَيْنَا رَاجِعُونَ" أَيْ فَنُجَازِيهِ بِعَمَلِهِ
وَقَوْله" وَتَقَطَّعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ " أَيْ اِخْتَلَفَ الْأُمَم عَلَى رُسُلهَا فَمِنْ بَيْن مُصَدِّق لَهُمْ وَمُكَذِّب وَلِهَذَا قَالَ " وَكُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة فَيُجَازَى كُلّ بِحَسَبِ عَمَله إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ .
أَيْ تَفَرَّقُوا فِي الدِّين ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . الْأَخْفَش : اِخْتَلَفُوا فِيهِ . وَالْمُرَاد الْمُشْرِكُونَ ; ذَمَّهُمْ لِمُخَالَفَةِ الْحَقّ , وَاِتِّخَاذهمْ آلِهَة مِنْ دُون اللَّه . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : أَيْ تَفَرَّقُوا فِي أَمْرهمْ ; فَنُصِبَ " أَمْرهمْ " بِحَذْفِ " فِي " . فَالْمُتَقَطِّع عَلَى هَذَا لَازِم وَعَلَى الْأَوَّل مُتَعَدٍّ . وَالْمُرَاد جَمِيع الْخَلْق ; أَيْ جَعَلُوا أَمْرهمْ فِي أَدْيَانهمْ قَطْعًا وَتَقَسَّمُوهُ بَيْنهمْ , فَمِنْ مُوَحِّد , وَمِنْ يَهُودِيّ , وَمِنْ نَصْرَانِيّ , وَمِنْ عَابِد مَلَك أَوْ صَنَم .


أَيْ إِلَى حُكْمنَا فَنُجَازِيهِمْ .
مشاركة الموضوع