تفسير الطبري

سورة الأنبياء الآية ٢٠

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُسَبِّح هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْده مِنْ مَلَائِكَة رَبّهمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ مِنْ تَسْبِيحهمْ إِيَّاهُ . كَمَا : 18507 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِيهِ أَنَّ اِبْن عَبَّاس سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْله : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } وَ " يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَسْأَمُونَ " فَقَالَ : هَلْ يَئُودك طَرْفك ؟ هَلْ يَئُودك نَفَسك ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَإِنَّهُمْ أُلْهِمُوا التَّسْبِيح كَمَا أُلْهِمْتُمْ الطَّرْف وَالنَّفَس . 18508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ , عَنْ حَسَّان بْن مُخَارِق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , قَالَ : قُلْت : لِكَعْبِ الْأَحْبَار : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } أَمَا يَشْغَلهُمْ رِسَالَة أَوْ عَمَل ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي إِنَّهُمْ جُعِلَ لَهُمْ التَّسْبِيح كَمَا جُعِلَ لَكُمْ النَّفَس , أَلَسْت تَأْكُل وَتَشْرَب وَتَقُوم وَتَقْعُد وَتَجِيء وَتَذْهَب وَأَنْتَ تَنَفَّس ؟ قُلْت : بَلَى قَالَ : فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمْ التَّسْبِيح . 18509 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو دَاوُد , قَالَا : ثنا عِمْرَان الْقَطَّان , عَنْ قَتَادَة , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , عَنْ مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ عَمْرو الْبِكَالِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : إِنَّ اللَّه خَلَقَ عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء الْمَلَائِكَة وَجُزْءًا سَائِر الْخَلْق . وَجَزَّأَ الْمَلَائِكَة عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ وَجُزْءًا لِرِسَالَتِهِ . وَجَزَّأَ الْخَلْق عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء الْجِنّ وَجُزْءًا سَائِر بَنِي آدَم . وَجَزَّأَ بَنِي آدَم عَشَرَة أَجْزَاء , فَحَمَلَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج تِسْعَة أَجْزَاء وَجُزْءًا سَائِر بَنِي آدَم . 18510 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } يَقُول : الْمَلَائِكَة الَّذِينَ هُمْ عِنْد الرَّحْمَن لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته وَلَا يَسْأَمُونَ فِيهَا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِس مَعَ أَصْحَابه , إِذْ قَالَ : " تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَع ؟ " قَالُوا : مَا نَسْمَع مِنْ شَيْء يَا نَبِيّ اللَّه قَالَ : " إِنِّي لَأَسْمَع أَطِيط السَّمَاء , وَمَا تُلَام أَنْ تَئِطّ وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِع رَاحَة إِلَّا وَفِيهِ مَلَك سَاجِد أَوْ قَائِم " .
" يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ " أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم فليس في أوقاتهم وقت فارغ ولا خال منها وهم على كثرتهم بهذه الصفة, وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته, ما يوجب أن لا يعبد إلا هو, ولا تصرف العبادة لغيره.
يذكرون الله وينزِّهونه دائمًا، لا يضْعُفون ولا يسأمون.
"يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتُرُونَ" عَنْهُ فَهُوَ مِنْهُمْ كَالنَّفَسِ مِنَّا لَا يَشْغَلنَا عَنْهُ شَاغِل
" يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتُرُونَ " فَهُمْ دَائِبُونَ فِي الْعَمَل لَيْلًا وَنَهَارًا مُطِيعُونَ قَصْدًا وَعَمَلًا قَادِرُونَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أَبِي دُلَامَة الْبَغْدَادِيّ أَنْبَأَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز عَنْ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ : بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَصْحَابه إِذْ قَالَ لَهُمْ " هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَع " قَالُوا مَا نَسْمَع مِنْ شَيْء . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . إِنِّي لَأَسْمَع أَطِيط السَّمَاء وَمَا تُلَام أَنْ تَئِطّ وَمَا فِيهَا مَوْضِع شِبْر إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَك سَاجِد أَوْ قَائِم " غَرِيب وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ ثُمَّ رَوَاهُ أَعْنِي اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زُرَيْع عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة مُرْسَلًا وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ حَسَّان بْن مُخَارِق عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل قَالَ : جَلَسْت إِلَى كَعْب الْأَحْبَار وَأَنَا غُلَام فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت قَوْل اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ " يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتُرُونَ " أَمَا يَشْغَلهُمْ عَنْ التَّسْبِيح الْكَلَام وَالرِّسَالَة وَالْعَمَل . فَقَالَ مَنْ هَذَا الْغُلَام ؟ فَقَالُوا مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب قَالَ فَقَبَّلَ رَأْسِي ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيّ إِنَّهُ جُعِلَ لَهُمْ التَّسْبِيح كَمَا جُعِلَ لَكُمْ النَّفَس أَلَيْسَ تَتَكَلَّم وَأَنْتَ تَتَنَفَّس وَتَمْشِي وَأَنْتَ تَتَنَفَّس ؟ .
أَيْ يُصَلُّونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّه وَيُنَزِّهُونَهُ دَائِمًا .


أَيْ لَا يَضْعُفُونَ وَلَا يَسْأَمُونَ , يُلْهَمُونَ التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَس . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْحَرْث سَأَلْت كَعْبًا فَقُلْت : أَمَا لَهُمْ شُغْل عَنْ التَّسْبِيح ؟ أَمَا يَشْغَلهُمْ عَنْهُ شَيْء ؟ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْت : مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب ; فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَقَالَ : يَا ابْن أَخِي هَلْ يَشْغَلك شَيْء عَنْ النَّفَس ؟ ! إِنَّ التَّسْبِيح لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّفَس . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل مِنْ بَنِي آدَم . وَقَدْ تَقَدَّمَ وَالْحَمْد لِلَّهِ .
مشاركة الموضوع