تفسير الطبري

سورة طه الآية ٥١

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ﴿٥١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الْأُولَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ فرْعَوْن لمُوسَى , إذْ وَصَفَ مُوسَى رَبّه جَلَّ جَلَاله بمَا وَصَفَهُ به منْ عَظيم السُّلْطَان , وَكَثْرَة الْإنْعَام عَلَى خَلْقه وَالْإفْضَال : فَمَا شَأْن الْأُمَم الْخَاليَة منْ قَبْلنَا لَمْ تُقرّ بمَا تَقُول , وَلَمْ تُصَدّق بمَا تَدْعُو إلَيْه , وَلَمْ تُخْلص لَهُ الْعبَادَة , وَلَكنَّهَا عَبَدَتْ الْآلهَة وَالْأَوْثَان منْ دُونه , إنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا تَصف منْ أَنَّ الْأَشْيَاء كُلّهَا خَلْقه , وَأَنَّهَا في نعَمه تَتَقَلَّب , وَفي منَنه تَتَصَرَّف ؟
ولهذا لما لم يمكن فرعون, أن يعاند هذا الدليل القاطع, عدل إلى المشاغبة, وحاد عن المقصود فقال لموسى: " فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى " .
أي: ما شأنهم, وما خبرهم وكيف وصلت بهم الحال, وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر, والظلم, والعناد, ولنا فيهم أسوة؟
قال فرعون لموسى: فما شأن الأمم السابقة؟ وما خبر القرون الماضية، فقد سبقونا إلى الإنكار والكفر؟
"قَالَ" فِرْعَوْن "فَمَا بَال" حَال "الْقُرُون" الْأُمَم "الْأُولَى" كَقَوْمِ نُوح وَهُود وَلُوط وَصَالِح فِي عِبَادَتهمْ الْأَوْثَان
" قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الْأُولَى " أَصَحّ الْأَقْوَال فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْن لَمَّا أَخْبَرَهُ مُوسَى بِأَنَّ رَبّه الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ وَرَزَقَ وَقَدَّرَ فَهَدَى شَرَعَ يَحْتَجّ بِالْقُرُونِ الْأُولَى أَيْ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا اللَّه أَيْ فَمَا بَالهمْ إِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ لَمْ يَعْبُدُوا رَبّك بَلْ عَبَدُوا غَيْره .
الْبَال الْحَال ; أَيْ وَمَا حَالهَا وَمَا شَأْنهَا , فَأَعْلَمَهُ أَنَّ عِلْمهَا عِنْد اللَّه تَعَالَى , أَيْ إِنَّ هَذَا مِنْ عِلْم الْغَيْب الَّذِي سَأَلْت عَنْهُ , وَهُوَ مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ لَا يَعْلَمهُ إِلَّا هُوَ , وَمَا أَنَا إِلَّا عَبْد مِثْلك لَا أَعْلَم إِلَّا مَا أَخْبَرَنِي بِهِ عَلَّام الْغُيُوب , وَعِلْم أَحْوَال الْقُرُون مَكْتُوبَة عِنْد اللَّه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَمَا بَال الْقُرُون الْأُولَى لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ . أَيْ فَمَا بَالهمْ ذَهَبُوا وَقَدْ عَبَدُوا غَيْر رَبّك . وَقِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ أَعْمَال الْقُرُون الْأُولَى فَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا مُحْصَاة عِنْد اللَّه تَعَالَى , وَمَحْفُوظَة عِنْده فِي كِتَاب . أَيْ هِيَ مَكْتُوبَة فَسَيُجَازِيهِمْ غَدًا بِهَا وَعَلَيْهَا . وَعَنَى بِالْكِتَابِ اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقِيلَ : هُوَ كِتَاب مَعَ بَعْض الْمَلَائِكَة .
مشاركة الموضوع