تفسير الطبري

سورة طه الآية ٤١

وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴿٤١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَاصْطَنَعْتُك لنَفْسي } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : { وَاصْطَنَعْتُك لنَفْسي } أَنْعَمْت عَلَيْك يَا مُوسَى هَذه النّعَم , وَمَنَنْت عَلَيْك هَذه الْمنَن , اجْتبَاء منّي لَك , وَاخْتيَارًا لرسَالَتي وَالْبَلَاغ عَنّي , وَالْقيَام بأَمْري وَنَهْيي .
" وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي " أي: أجريت عليك صنائعي ونعمي, وحسن عوائدي, وتربيتي, لتكون لنفسي حبيبا مختصا, وتبلغ في ذلك, مبلغا لا يناله أحد من الخلق, إلا النادر منهم.
وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين, وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ, يبذل غاية جهده, ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك.
فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم, وما تحسبه يفعل, بمن أراده لنفسه, واصطفاه من خلقه؟!!
وأنعمتُ عليك - يا موسى - هذه النعم اجتباء مني لك، واختيارًا لرسالتي، والبلاغ عني، والقيام بأمري ونهيي.
"وَاصْطَنَعْتُك" اخْتَرْتُك "لِنَفْسِي" بِالرِّسَالَةِ
يَقُول تَعَالَى مُخَاطِبًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّهُ لَبِثَ مُقِيمًا فِي أَهْل مَدْيَن فَارًّا مِنْ فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ يَرْعَى عَلَى صِهْره حَتَّى اِنْتَهَتْ الْمُدَّة وَانْقَضَى الْأَجَل ثُمَّ جَاءَ مُوَافِقًا لِقَدَرِ اللَّه وَإِرَادَته مِنْ غَيْر مِيعَاد وَالْأَمْر كُلّه لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ الْمُسَيِّر عِبَاده وَخَلْقه فِيمَا يَشَاء وَلِهَذَا قَالَ " ثُمَّ جِئْت عَلَى قَدَر يَا مُوسَى " قَالَ مُجَاهِد أَيْ عَلَى مَوْعِد وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله ثُمَّ جِئْت عَلَى قَدَر يَا مُوسَى قَالَ عَلَى قَدَر الرِّسَالَة وَالنُّبُوَّة وَقَوْله " وَاصْطَنَعْتُك لِنَفْسِي " أَيْ اِصْطَفَيْتُك وَاجْتَبَيْتُك رَسُولًا لِنَفْسِي أَيْ كَمَا أُرِيد وَأَشَاء وَقَالَ الْبُخَارِيّ عِنْد تَفْسِيرهَا حَدَّثَنَا الصَّلْت بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا مَهْدِيّ بْن مَيْمُون حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " اِلْتَقَى آدَم وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْت النَّاس وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة ؟ فَقَالَ آدَم وَأَنْتَ الَّذِي اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاك لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْك التَّوْرَاة ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَوَجَدْته مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُقنِي قَالَ نَعَمْ فَحَجَّ آدَم مُوسَى " أَخْرَجَاهُ .
قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ اِصْطَفَيْتُك لِوَحْيِي وَرِسَالَتِي .

وَقِيلَ : " اِصْطَنَعْتُك " خَلَقْتُك ; مَأْخُوذ مِنْ الصَّنْعَة . وَقِيلَ قَوَّيْتُك وَعَلَّمْتُك لِتُبَلِّغ عِبَادِي أَمْرِي وَنَهْي .
مشاركة الموضوع