تفسير الطبري

سورة طه الآية ٣١

ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿٣١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول تَعَالَى ذكْره مُخْبرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ سَأَلَ رَبّه أَنْ يُشْددَ أَزْره بأَخيه هَارُون . وَإنَّمَا يَعْني بقَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } قَوّ ظَهْري , وَأَعنّي به . يُقَال منْهُ : قَدْ أَزَرَ فُلَان فُلَانًا : إذَا أَعَانَهُ وَشَدَّ ظَهْره . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18175 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول : اُشْدُدْ به ظَهْري . 18176 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول : اُشْدُدْ به أَمْري , وَقَوّني به , فَإنَّ لي به قُوَّة .
قال موسى: رب وسِّع لي صدري، وسَهِّل لي أمري، وأطلق لساني بفصيح المنطق؛ ليفهموا كلامي. واجعل لي معينا من أهلي، هارون أخي. قَوِّني به وشدَّ به ظهري، وأشركه معي في النبوة وتبليغ الرسالة؛ كي ننزهك بالتسبيح كثيرًا، ونذكرك كثيرا فنحمدك. إنك كنت بنا بصيرًا، لا يخفى عليك شيء من أفعالنا.
"اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي" وَالْفِعْلَانِ بِصِيغَتِي الْأَمْر وَالْمُضَارِع الْمَجْزُوم وَهُوَ جَوَاب الطَّلَب
وَقَوْله " اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي " قَالَ مُجَاهِد ظَهْرِي .
أَيْ ظَهْرِي وَالْأَزْر الظَّهْر مِنْ مَوْضِع الْحَقْوَيْنِ , وَمَعْنَاهُ تَقْوَى بِهِ نَفْسِي ; وَالْأَزْر الْقُوَّة وَآزَرَهُ قَوَّاهُ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ " [ الْفَتْح : 29 ] وَقَالَ أَبُو طَالِب : أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِم شَدَّ أَزْره وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ وَقِيلَ : الْأَزْر الْعَوْن , أَيْ يَكُون عَوْنًا يَسْتَقِيم بِهِ أَمْرِي . قَالَ الشَّاعِر : شَدَدْت بِهِ أَزْرِي وَأَيْقَنْت أَنَّهُ أَخُو الْفَقْر مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبه وَكَانَ هَارُون أَكْثَر لَحْمًا مِنْ مُوسَى , وَأَتَمّ طُولًا , وَأَبْيَض جِسْمًا , وَأَفْصَح لِسَانًا . وَمَاتَ قَبْل مُوسَى بِثَلَاثِ سِنِينَ وَكَانَ فِي جَبْهَة هَارُون شَامَة , وَعَلَى أَرْنَبَة أَنْف مُوسَى شَامَة , وَعَلَى طَرَف لِسَانه شَامَة , وَلَمْ تَكُنْ عَلَى أَحَد قَبْله وَلَا تَكُون عَلَى أَحَد بَعْده , وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ سَبَب الْعُقْدَة الَّتِي فِي لِسَانه . وَاَللَّه أَعْلَم .
مشاركة الموضوع