تفسير الطبري

سورة طه الآية ١١٦

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ﴿١١٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَإذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ مُعَلّمًا نَبيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , مَا كَانَ منْ تَضْييع آدَم عَهْده , وَمُعَرّفه بذَلكَ أَنَّ وَلَده لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا في ذَلكَ عَلَى منْهَاجه , إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه منْهُمْ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد { إذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } أَنْ يَسْجُد لَهُ .
أي لما أكمل خلق آدم بيده, وعلمه الأسماء, وفضله, وكرمه, أمر الملائكة بالسجود له, إكرما, وتعظيما, وإجلالا, فبادروا بالسجود ممتثلين.
وكان بينهم إبليس, فاستكبر عن أمر ربه, وامتنع من السجود لآدم وقال: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " فتبينت حينئذ, عداوته البليغة لآدم وزوجه, لما كان عدو الله, وظهر من حسده, ما كان سبب العداوة.
فحذر الله آدم وزوجه منه, وقال " فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى " إذا أخرجت منها.
فإن لك فيها الرزق الهني والراحة التامة.
واذكر - أيها الرسول - إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية وإكرام، فأطاعوا، وسجدوا، لكن إبليس امتنع من السجود.
"وَ" اذْكُر "إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيس" وَهُوَ أَبُو الْجِنّ كَانَ يَصْحَب الْمَلَائِكَة وَيَعْبُد اللَّه مَعَهُمْ "أَبَى" عَنْ السُّجُود لِآدَم "قَالَ أَنَا خَيْر مِنْهُ"
وَقَوْله " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم " يَذْكُر تَعَالَى تَشْرِيف آدَم وَتَكْرِيمه وَمَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة وَفِي الْأَعْرَاف فِي الْحِجْر وَالْكَهْف وَسَيَأْتِي فِي آخِر سُورَة ص يَذْكُر تَعَالَى فِيهَا خَلْق آدَم وَأَمْره الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَيُبَيِّن عَدَاوَة إِبْلِيس لِبَنِي آدَم وَلِأَبِيهِمْ قَدِيمًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس أَبَى " أَيْ اِمْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ .
تَقَدَّمَ فِي ( الْبَقَرَة ) مُسْتَوفَى .
مشاركة الموضوع