تفسير الطبري

سورة البقرة الآية ٣٠

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ رَبّك } قَالَ أَبُو جَعْفَر : زَعَمَ بَعْض الْمَنْسُوبِينَ إلَى الْعِلْم بِلُغَاتِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { وَإِذْ قَالَ رَبّك } وَقَالَ رَبّك , وَأَنَّ " إذْ " مِنْ الْحُرُوف الزَّوَائِد , وَأَنَّ مَعْنَاهَا الْحَذْف . وَاعْتَلَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي وَصَفْنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : فَإِذَا وَذَلِكَ لَامَهَاهَ لِذِكْرِهِ وَالدَّهْر يُعْقِب صالحا بِفَسَادِ ثم قال : ومعناها : وذلك لَامَهَاهَ لِذِكْرِهِ . وَبِبَيْتِ عبد مَنَاف بن ربع الْهُذَلِيّ : حَتَّى إذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَة شَلًّا كَمَا تَطْرُد الْجَمَّالَة الشُّرُدَا وَقَالَ : مَعْنَاهُ : حَتَّى أَسَلَكُوهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْأَمْر فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ ; وَذَلِكَ أَنَّ " إذْ " حَرْف يَأْتِي بِمَعْنَى الْجَزَاء , وَيَدُلّ عَلَى مَجْهُول مِنْ الْوَقْت , وَغَيْر جَائِز إبْطَال حَرْف كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَعْنًى فِي الْكَلَام . إذْ سَوَاء قِيلَ قَائِل هُوَ بِمَعْنَى التَّطَوُّل , وَهُوَ فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَى مَعْنَى مَفْهُوم . وَقِيلَ آخَر فِي جَمِيع الْكَلَام الَّذِي نَطَقَ بِهِ دَلِيلًا عَلَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى التَّطَوُّل . وَلَيْسَ لِمُدَّعِي الَّذِي وَصَفْنَا قَوْله فِي بَيْت الْأَسْوَد بْن يَعْفُر , أَنَّ " إذَا " بِمَعْنَى التَّطَوُّل وَجْه مَفْهُوم ; بَلْ ذَلِكَ لَوْ حُذِفَ مِنْ الْكَلَام لَبَطَلَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر مِنْ قَوْله : فَإِذَا وَذَلِكَ لَامَهَاهَ لِذِكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ , وَمَا مَضَى مِنْ عَيْشنَا . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفه مِنْ عَيْشه الَّذِي كَانَ فِيهِ لَامَهَاهَ لِذِكْرِهِ , يَعْنِي لَا طَعْم لَهُ وَلَا فَضْل , لِإِعْقَابِ الدَّهْر صَالِح ذَلِكَ بِفَسَادٍ . وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْل عَبْد مَنَاف بْن ربع : حَتَّى إذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَة شَلًّا . . ................ لَوْ أَسَقَطَ مِنْهُ " إذَا " بَطَل مَعْنَى الْكَلَام ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ : حَتَّى إذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَة سَلَكُوا شَلًّا . فَدَلَّ قَوْله : " وَأَسْلِكُوهُمْ شَلًّا " عَلَى مَعْنَى الْمَحْذُوف , فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْره بِدَلَالَةِ " إذَا " عَلَيْهِ , فَحُذِفَ . كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا عَلَى مَا تَفْعَل الْعَرَب فِي نَظَائِر ذَلِكَ , وَكَمَا قَالَ النَّمِر بْن تَوْلَب : فَإِنَّ الْمَنِيَّة مَنْ يَخْشَهَا فَسَوْف تُصَادِفهُ أَيْنَمَا وَهُوَ يُرِيد : أَيْنَمَا ذَهَبَ . وَكَمَا تَقُول الْعَرَب : أَتَيْتُك مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد ; تُرِيد : مِنْ قَبْل ذَلِكَ وَمِنْ بَعْد ذَلِكَ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي " إذَا " كَمَا يَقُول الْقَائِل : إذَا أَكْرَمَك أَخُوك فَأَكْرِمْهُ وَإِذَا لَا فَلَا ; يُرِيد : وَإِذَا لَمْ يُكْرِمك فَلَا تُكْرِمهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْآخَر : فَإِذَا وَذَلِكَ لَا يَضُرّك ضُرّه فِي يَوْم أَسْأَل نَائِلًا أَوْ أَنْكَد نَظِير مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى فِي بَيْت الْأَسْوَد بْن يَعْفُر . وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ } لَوْ أُبْطِلَتْ " إذْ " وَحُذِفَتْ مِنْ الْكَلَام , لَاسْتَحَالَ عَنْ مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ بِهِ وَفِيهِ " إذْ " . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ ؟ وَمَا الْجَالِب ل " إذْ " , إذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام قَبْله مَا يَعْطِف بِهِ عَلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهُ : قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } بِهَذِهِ الْآيَات وَاَلَّتِي بَعْدهَا مُوَبِّخهمْ مُقَبِّحًا إلَيْهِمْ سُوء فِعَالهمْ وَمَقَامهمْ عَلَى ضَلَالهمْ مَعَ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافهمْ , وَمُذَكِّرهمْ بِتَعْدِيدِ نِعَمه عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافهمْ بَأْسه أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيل مَنْ هَلَكَ مِنْ أَسْلَافهمْ فِي مَعْصِيَة اللَّه , فَيَسْلُك بِهِمْ سَبِيلهمْ فِي عُقُوبَته ; وَمُعَرِّفهمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ تَعَطُّفه عَلَى التَّائِب مِنْهُمْ اسْتِعْتَابًا مِنْهُ لَهُمْ . فَكَانَ مِمَّا عَدَّدَ مِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ , أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا فِي السَّمَوَات مِنْ شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعهَا الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ وَلِسَائِرِ بَنِي آدَم مَعَهُمْ مَنَافِع , فَكَانَ فِي قَوْله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } مَعْنَى : اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ , إذْ خَلَقْتُكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا , وَخَلَقْت لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , وَسَوَّيْت لَكُمْ مَا فِي السَّمَاء . ثُمَّ عَطْف بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ } عَلَى الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى بِقَوْلِهِ : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ } إذْ كَانَ مُقْتَضِيًا مَا وَصَفْت مِنْ قَوْله : اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إذْ فَعَلْت بِكُمْ وَفَعَلْت , وَاذْكُرُوا فِعْلِي بِأَبِيكُمْ آدَم , إذْ قُلْت لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ نَظِير فِي كَلَام الْعَرَب نَعْلَم بِهِ صِحَّة مَا قُلْت ؟ قِيلَ : نَعَمْ , أَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصَى , مِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : أَجِدّك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَات وَلَا بَيْدَانَ نَاجِيَة ذَمُولَا وَلَا مُتَدَارِك وَالشَّمْس طِفْل بِبَعْضِ نَوَاشِغ الْوَادِي حُمُولَا فَقَالَ : وَلَا مُتَدَارِك , وَلَمْ يَتَقَدَّمهُ فِعْل بِلَفْظٍ يُعْطَف عَلَيْهِ , وَلَا حَرْف مُعْرَب إعْرَابه فَيُرَدّ " مُتَدَارِك " عَلَيْهِ فِي إعْرَابه . وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَهُ فِعْل مَجْحُود ب " لَنْ " يَدُلّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَطْلُوب فِي الْكَلَام وَعَلَى الْمَحْذُوف , اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَنْ إظْهَار مَا حُذِفَ , وَعَامِل الْكَلَام فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب مُعَامَلَته أَنْ لَوْ كَانَ مَا هُوَ مَحْذُوف مِنْهُ ظَاهِرًا . لِأَنَّ قَوْله : أَجِدّك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَات بِمَعْنَى : أَجِدّك لَسْت بَرَاء , فَرُدَّ " مُتَدَارِكًا " عَلَى مَوْضِع " تَرَى " كَأَنَّ " لَسْت " وَالْبَاء مَوْجُودَتَانِ فِي الْكَلَام , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَإِذْ قَالَ رَبّك } لِمَا سَلَف قَبْله تَذْكِير اللَّه الْمُخَاطَبِينَ بِهِ مَا سَلَف قِبَلهمْ وَقِبَل آبَائِهِمْ مِنْ أَيَادِيه وَآلَائِهِ , وَكَانَ قَوْله : { وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ } مَعَ مَا بَعْده مِنْ النِّعَم الَّتِي عَدَّدَهَا عَلَيْهِمْ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَوَاقِعهَا , رُدَّ " إذْ " عَلَى مَوْضِع : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : اُذْكُرُوا هَذِهِ مِنْ نِعَمِي , وَهَذِهِ الَّتِي قُلْت فِيهَا لِلْمَلَائِكَةِ . فَلَمَّا كَانَتْ الْأُولَى مُقْتَضِيَة " إذْ " عُطِفَ ب " إذْ " عَلَى مَوْضِعهَا فِي الْأُولَى كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْل الشَّاعِر فِي " وَلَا مُتَدَارِك " .





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلْمَلَائِكَةِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْمَلَائِكَة جَمْع مَلَك , غَيْر أَنَّ وَاحِدهمْ بِغَيْرِ الْهَمْز أَكْثَر وَأَشْهَر فِي كَلَام الْعَرَب مِنْهُ بِالْهَمْزِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي وَاحِدهمْ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة , فَيَحْذِفُونَ الْهَمْز مِنْهُ , وَيُحَرِّكُونَ اللَّامّ الَّتِي كَانَتْ مُسَكَّنَة لَوْ هَمْز الِاسْم . وَإِنَّمَا يُحَرِّكُونَهَا بِالْفَتْحِ , لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ حَرَكَة الْهَمْزَة الَّتِي فِيهِ بِسُقُوطِهَا إلَى الْحَرْف السَّاكِن قَبْلهَا , فَإِذَا جَمَعُوا وَاحِدهمْ رَدُّوا الْجَمْع إلَى الْأَصْل وَهَمَزُوا , فَقَالُوا : مَلَائِكَة . وَقَدْ تَفْعَل الْعَرَب نَحْو ذَلِكَ كَثِيرًا فِي كَلَامهَا , فَتَتْرُك الْهَمْز فِي الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ مَهْمُوزَة فَيَجْرِي كَلَامهمْ بِتَرْكِ هَمْزهَا فِي حَال , وَبِهَمْزِهَا فِي أُخْرَى , كَقَوْلِهِمْ : رَأَيْت فُلَانًا , فَجَرَى كَلَامهمْ بِهَمْزِ رَأَيْت , ثُمَّ قَالُوا : نَرَى وَتَرَى وَيَرَى , فَجَرَى كَلَامهمْ فِي يَفْعَل وَنَظَائِرهَا بِتَرْكِ الْهَمْز , حَتَّى صَارَ الْهَمْز مَعَهَا شَاذًّا مَعَ كَوْن الْهَمْز فِيهَا أَصْلًا . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَلَك وَمَلَائِكَة , جَرَى كَلَامهمْ بِتَرْكِ الْهَمْز مِنْ وَاحِدهمْ , وَبِالْهَمْزِ فِي جَمِيعهمْ . وَرُبَّمَا جَاءَ الْوَاحِد مَهْمُوزًا كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمِلْأَك تَحَدَّرَ مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب وَقَدْ يُقَال فِي وَاحِدهمْ : مَأْلُك , فَيَكُون ذَلِكَ مِثْل قَوْلهمْ : جَبَذَ وَجَذَبَ , وَشَأْمَل وَشَمْأَل , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الْحُرُوف الْمَقْلُوبَة . غَيْر أَنَّ الَّذِي يَجِب إذَا سُمِّيَ وَاحِدهمْ مَأْلُك , أَنْ يُجْمَع إذْ جَمَعَ عَلَى ذَلِكَ : مَالِك , وَلَسْت أَحْفَظ جَمْعهمْ كَذَلِكَ سَمَاعًا , وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَجْمَعُونَ مَلَائِك وَمَلَائِكَة , كَمَا يُجْمَع أَشْعَث : أَشَاعِث وَأَشَاعِثَة , وَمِسْمَع : مَسَامِع وَمَسَامِعَة . قَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت فِي جَمْعهمْ كَذَلِكَ : وَفِيهَا مِنْ عِبَاد اللَّه قَوْم مَلَائِك ذَلِّلُوا وَهُمُ صِعَاب وَأَصْل الْمَلْأَك : الرِّسَالَة , كَمَا قَالَ عَدِيّ بْن زَيْد الْعَبَّادِيّ أَبْلِغْ النُّعْمَان عَنِّي ملأكا أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي وَقَدْ يُنْشَد " مَأْلُكًا " عَلَى اللُّغَة الْأُخْرَى , فَمَنْ قَالَ : ملأكا , فَهُوَ مُفْعِل مِنْ لَأَكَ إلَيْهِ يَلْأَكُ : إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِ رِسَالَة ملأكة . وَمَنْ قَالَ : مَأْلُكًا , فَهُوَ مُفْعِل مِنْ أَلَكْت إلَيْهِ آلُك : إذَا أَرْسَلْت إلَيْهِ مَأْلُكَة وَأَلُوكًا , كَمَا قَالَ لَبِيد بْن رَبِيعَة : وَغُلَام أَرْسَلَتْهُ أُمّه بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلَ فَهَذَا مِنْ أَلَكْت . وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : أَلِكْنِي يَا عُيَيْنُ إلَيْك قَوْلًا سَتُهْدِيهِ الرِّوَاة إلَيْك عَنِّي وَقَالَ عَبْد بَنِي الحسحاس : أَلِكْنِي إلَيْهَا عَمْرك اللَّه يَا فَتَى بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إلَيْنَا تَهَادِيًا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَبْلِغْهَا رِسَالَتِي . فَسُمِّيَتْ الْمَلَائِكَة مَلَائِكَة بِالرِّسَالَةِ , لِأَنَّهَا رُسُل اللَّه بَيْنه وَبَيْن أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ أُرْسِلَتْ إلَيْهِ مِنْ عِبَاده .





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَوْله : { إنِّي جَاعِل } , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنِّي فَاعِل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 500 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ جَرِير بْن حَازِم , وَمُبَارَك عَنْ الْحَسَن , وَأَبِي بَكْر , يَعْنِي الْهُذَلِيّ عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةُ , قَالُوا : قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } قَالَ لَهُمْ : إنِّي فَاعِل . وَقَالَ آخَرُونَ : إنِّي خَالِق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 501 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب بْن الْحَارِث قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , قَالَ : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن " جَعْل " فَهُوَ خَلْق . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب فِي تَأْوِيل قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } أَيْ مُسْتَخْلَف فِي الْأَرْض خَلِيفَة وَمُصِير فِيهَا خَلَفًا , وَذَلِكَ أَشَبَه بِتَأْوِيلِ قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَةُ . وَقِيلَ إنَّ الْأَرْض الَّتِي ذَكَرهَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة هِيَ مَكَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 502 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ ابْن سَابِطٍ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ مَكَّة . وَكَانَتْ الْمَلَائِكَة تَطُوف بِالْبَيْتِ , فَهِيَ أَوَّل مَنْ طَافَ بِهِ , وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي قَالَ اللَّه : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } , وَكَانَ النَّبِيّ إذَا هَلَكَ قَوْمه وَنَجَا هُوَ وَالصَّالِحُونَ أَتَى هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فَعَبَدُوا اللَّه بِهَا حَتَّى يَمُوتُوا , فَإِنَّ قَبْر نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ بَيْن زَمْزَم وَالرُّكْن وَالْمَقَام "





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَلِيفَة } وَالْخَلِيفَة الْفَعِيلَة , مِنْ قَوْلك : خَلَف فُلَان فُلَانًا فِي هَذَا الْأَمْر إذَا قَامَ مَقَامه فِيهِ بَعْده , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِف فِي الْأَرْض مِنْ بَعْدهمْ لِنَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ } 10 14 يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُ أَبْدَلَكُمْ فِي الْأَرْض مِنْهُمْ فَجَعَلَكُمْ خُلَفَاء بَعْدهمْ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَم : خَلِيفَة , لِأَنَّهُ خَلَف الَّذِي كَانَ قَبْله , فَقَامَ بِالْأَمْرِ مَقَامه , فَكَانَ مِنْهُ خَلَفًا , يُقَال مِنْهُ : خَلَف الْخَلِيفَة يَخْلُف خِلَافَة وَخَلِيفًا , وَكَانَ ابْن إسْحَاق يَقُول بِمَا : 503 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } يَقُول : سَاكِنًا وَعَامِرًا يَسْكُنهَا وَيَعْمُرهَا خَلَقًا لَيْسَ مِنْكُمْ . وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ ابْن إسْحَاق فِي مَعْنَى الْخَلِيفَة بِتَأْوِيلِهَا , وَإِنْ كَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا أَخْبَرَ مَلَائِكَته أَنَّهُ جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة يَسْكُنهَا , وَلَكِنْ مَعْنَاهَا مَا وَصَفْت قَبْل . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَمَا الَّذِي كَانَ فِي الْأَرْض قَبْل بَنِي آدَم لَهَا عَامِرًا فَكَانَ بَنُو آدَم بَدَلًا مِنْهُ وَفِيهَا مِنْهُ خَلَفًا ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ . 504 - فَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : أَوَّل مَنْ سَكَنَ الْأَرْض الْجِنّ , فَأَفْسَدُوا فِيهَا , وَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاء , وَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا . قَالَ : فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ إبْلِيس فِي جُنْد مِنْ الْمَلَائِكَة , فَقَتَلَهُمْ إبْلِيس وَمَنْ مَعَهُ , حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِر الْبُحُور وَأَطْرَاف الْجِبَال ; ثُمَّ خَلَقَ آدَم فَأَسْكَنَهُ إيَّاهَا , فَلِذَلِكَ قَالَ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة مِنْ الْجِنّ يَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا فَيَسْكُنُونَهَا وَيُعَمِّرُونَهَا . 505 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } الْآيَة , قَالَ : إنَّ اللَّه خَلَقَ الْمَلَائِكَة يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ الْجِنّ يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ آدَم يَوْم الْجُمُعَة , فَكَفَرَ قَوْم مِنْ الْجِنّ , فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة تَهْبِط إلَيْهِمْ فِي الْأَرْض فَتُقَاتِلهُمْ , فَكَانَتْ الدِّمَاء وَكَانَ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } أَيْ خَلَفًا يَخْلُف بَعْضهمْ بَعْضًا , وَهُمْ وَلَد آدَم الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أَبَاهُمْ آدَم , وَيَخْلُف كُلّ قَرْن مِنْهُمْ الْقَرْن الَّذِي سَلَف قَبْله . وَهَذَا قَوْل حُكِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَنَظِير لَهُ مَا : 506 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ ابْن سَابِطٍ فِي قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } قَالَ : يَعْنُونَ بِهِ بَنِي آدَم . 507 - وَحَدَّثَنِي يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ : إنِّي أُرِيد أَنْ أَخْلُق فِي الْأَرْض خَلْقًا , وَأَجْعَل فِيهَا خَلِيفَة , وَلَيْسَ لِلَّهِ يَوْمئِذٍ خَلْق إلَّا الْمَلَائِكَة وَالْأَرْض لَيْسَ فِيهَا خَلْق . وَهَذَا الْقَوْل يَحْتَمِل مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ ابْن زَيْد أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ الْمَلَائِكَة أَنَّهُ جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة لَهُ , يَحْكُم فِيهَا بَيْن خَلْقه بِحُكْمِهِ , نَظِير مَا : 508 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } قَالُوا : رَبّنَا وَمَا يَكُون ذَلِكَ الْخَلِيفَة ؟ قَالَ : يَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . فَكَانَ تَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة مِنِّي يَخْلُفنِي فِي الْحُكْم بَيْن خَلْقِي , وَذَلِكَ الْخَلِيفَة هُوَ آدَم وَمَنْ قَامَ مَقَامه فِي طَاعَة اللَّه وَالْحُكْم بِالْعَدْلِ بَيْن خَلْقه . وَأَمَّا الْإِفْسَاد وَسَفْك الدِّمَاء بِغَيْرِ حَقّهَا فَمِنْ غَيْر خُلَفَائِهِ , وَمِنْ غَيْر آدَم وَمَنْ قَامَ مَقَامه فِي عِبَاد اللَّه ; لِأَنَّهُمَا أَخْبَرَا أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ إذْ سَأَلُوهُ : مَا ذَاكَ الْخَلِيفَة : إنَّهُ خَلِيفَة يَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . فَأَضَافَ الْإِفْسَاد وَسَفْك الدِّمَاء بِغَيْرِ حَقّهَا إلَى ذُرِّيَّة خَلِيفَته دُونه وَأَخْرَجَ مِنْهُ خَلِيفَته . وَهَذَا التَّأْوِيل وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي مَعْنَى الْخَلِيفَة مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَن مِنْ وَجْه , فَمُوَافِق لَهُ مِنْ وَجْه . فَأَمَّا مُوَافَقَته إيَّاهُ فَصَرْف مُتَأَوِّلِيهِ إضَافَة الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض وَسَفْك الدِّمَاء فِيهَا إلَى غَيْر الْخَلِيفَة . وَأَمَّا مُخَالَفَته إيَّاهَا فَإِضَافَتهمَا الْخِلَافَة إلَى آدَم بِمَعْنَى اسْتِخْلَاف اللَّه إيَّاهُ فِيهَا , وَإِضَافَة الْحَسَن الْخِلَافَة إلَى وَلَده بِمَعْنَى خِلَافَة بَعْضهمْ بَعْضًا , وَقِيَام قَرْن مِنْهُمْ مَقَام قَرْن قَبْلهمْ , وَإِضَافَة الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض وَسَفْك الدِّمَاء إلَى الْخَلِيفَة . وَاَلَّذِي دَعَا الْمُتَأَوِّلِينَ قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } فِي التَّأْوِيل الَّذِي ذُكِرَ عَنْ الْحَسَن إلَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْمَلَائِكَة إنَّمَا قَالَتْ لِرَبِّهَا إذْ قَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } إخْبَارًا مِنْهَا بِذَلِكَ عَنْ الْخَلِيفَة الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَاعِله فِي الْأَرْض لَا غَيْره ; لِأَنَّ الْمُحَاوَرَة بَيْن الْمَلَائِكَة وَبَيْن رَبّهَا عَنْهُ جَرَتْ . قَالُوا : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه قَدْ بَرَّأَ آدَم مِنْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض وَسَفْك الدِّمَاء وَطَهَّرَهُ مِنْ ذَلِكَ , عُلِمَ أَنَّ الَّذِي عَنَى بِهِ غَيْره مِنْ ذُرِّيَّته , فَثَبَتَ أَنَّ الْخَلِيفَة الَّذِي يُفْسِد فِي الْأَرْض وَيَسْفِك الدِّمَاء هُوَ غَيْر آدَم , وَأَنَّهُمْ وَلَده الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَى الْخِلَافَة الَّتِي ذَكَرهَا اللَّه إنَّمَا هِيَ خِلَافَة قَرْن مِنْهُمْ قَرْنًا غَيْرهمْ لِمَا وَصَفْنَا . وَأَغْفَلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة وَمُتَأَوِّلُو الْآيَة هَذَا التَّأْوِيل سَبِيل التَّأْوِيل , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَة إذْ قَالَ لَهَا رَبّهَا : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } لَمْ تُضْفِ الْإِفْسَاد وَسَفْك الدِّمَاء فِي جَوَابهَا رَبّهَا إلَى خَلِيفَته فِي أَرْضه , بَلْ قَالَتْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } , وَغَيْر مُنْكَر أَنْ يَكُون رَبّهَا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يَكُون لِخَلِيفَتِهِ ذَلِكَ ذُرِّيَّة يَكُون مِنْهُمْ الْإِفْسَاد وَسَفْك الدِّمَاء , فَقَالَتْ : يَا رَبّنَا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء ؟ كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس , وَمَنْ حَكَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل .





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قَالَتْ الْمَلَائِكَة لِرَبِّهَا إذْ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } وَلَمْ يَكُنْ آدَم بَعْد مَخْلُوقًا وَلَا ذُرِّيَّته , فَيَعْلَمُوا مَا يَفْعَلُونَ عِيَانًا ؟ أَعَلِمَتْ الْغَيْب فَقَالَتْ ذَلِكَ , أَمْ قَالَتْ مَا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ ظَنًّا , فَذَلِكَ شَهَادَة مِنْهَا بِالظَّنِّ وَقَوْل بِمَا لَا تَعْلَم , وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ صِفَتهَا , فَمَا وَجْه قَيْلهَا ذَلِكَ لِرَبِّهَا ؟ قِيلَ : قَدْ قَالَتْ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا ; وَنَحْنُ ذَاكِرُو أَقْوَالهمْ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ مُخْبِرُونَ بِأَصَحِّهَا بُرْهَانًا وَأَوْضَحَهَا حُجَّةً . فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ مَا : 509 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ إبْلِيس مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْمَلَائِكَة , يُقَال لَهُمْ " الْحِنّ " خُلِقُوا مِنْ نَار السَّمُوم مِنْ بَيْن الْمَلَائِكَة , قَالَ : وَكَانَ اسْمه الْحَارِث . قَالَ : وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة . قَالَ : وَخُلِقَتْ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ مِنْ نُور غَيْر هَذَا الْحَيّ . قَالَ : وَخُلِقَتْ الْجِنّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآن مِنْ مَارِج مِنْ نَار , وَهُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يَكُون فِي طَرَفهَا إذْ أُلْهِبَتْ . قَالَ : وَخُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ طِين , فَأَوَّل مَنْ سَكَنَ الْأَرْض الْجِنّ , فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , وَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا . قَالَ : فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ إبْلِيس فِي جُنْد مِنْ الْمَلَائِكَة , وَهُمْ هَذَا الْحَيّ الَّذِينَ يُقَال لَهُمْ " الْحِنّ " فَقَتَلَهُمْ إبْلِيس وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقهُمْ بِجَزَائِر الْبُحُور وَأَطْرَاف الْجِبَال . فَلَمَّا فَعَلَ إبْلِيس ذَلِكَ اغْتَرَّ فِي نَفْسه , وَقَالَ : قَدْ صَنَعْت شَيْئًا لَمْ يَصْنَعهُ أَحَد . قَالَ : فَاطَّلَعَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبه , وَلَمْ تَطَّلِع عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ ; فَقَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة مُجِيبِينَ لَهُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } كَمَا أَفْسَدَتْ الْجِنّ وَسَفَكَتْ الدِّمَاء ؟ وَإِنَّمَا بُعِثْنَا عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ . فَقَالَ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول : إنِّي قَدْ اطَّلَعْت مِنْ قَلْب إبْلِيس عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبْره وَاغْتِرَاره , قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ بِتُرْبَةِ آدَم فَرُفِعَتْ , فَخَلَقَ اللَّه آدَم مِنْ طِين لَازِب - وَاللَّازِب : اللَّزِج الصُّلْب مِنْ حَمَأ مَسْنُون - مُنْتِن . قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ حَمَأ مَسْنُونًا بَعْد التُّرَاب . قَالَ : فَخَلَقَ مِنْهُ آدَم بِيَدِهِ . قَالَ فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة جَسَدًا مُلْقًى , فَكَانَ إبْلِيس يَأْتِيه فَيَضْرِبهُ بِرِجْلِهِ فَيُصَلْصِل - أَيْ فَيُصَوِّت - قَالَ : فَهُوَ قَوْل اللَّه : { مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ } 55 14 يَقُول : كَالشَّيْءِ الْمَنْفُوخ الَّذِي لَيْسَ بِمُصْمَتٍ , قَالَ : ثُمَّ يَدْخُل فِي فِيهِ وَيَخْرَج مِنْ دُبُره , وَيَدْخُل مِنْ دُبُره وَيَخْرُج مِنْ فِيهِ , ثُمَّ يَقُول : لَسْت شَيْئًا ! لِلصَّلْصَلَةِ , وَلِشَيْءٍ مَا خُلِقْت ! لَئِنْ سُلِّطْت عَلَيْك لَأَهْلِكَنَّكَ , وَلَئِنْ سُلِّطْت عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّكَ . قَالَ : فَلَمَّا نَفَخَ اللَّه فِيهِ مِنْ رُوحه , أَتَتْ النَّفْخَة مِنْ قِبَل رَأْسه , فَجَعَلَ لَا يَجْرِي شَيْء مِنْهَا فِي جَسَده إلَّا صَارَ لَحْمًا وَدَمًا . فَلَمَّا انْتَهَتْ النَّفْخَة إلَى سُرَّته نَظَرَ إلَى جَسَده , فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ حُسْنه , فَذَهَبَ لِيَنْهَض فَلَمْ يَقْدِر , فَهُوَ قَوْل اللَّه : { وَكَانَ الْإِنْسَان عُجُولًا } 17 11 قَالَ : ضَجِرًا لَا صَبْر لَهُ عَلَى سَرَّاء وَلَا ضَرَّاء . قَالَ : فَلَمَّا تَمَّتْ النَّفْخَة فِي جَسَده عَطَسَ فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى . فَقَالَ اللَّه لَهُ : يَرْحَمك اللَّه يَا آدَم . قَالَ : ثُمَّ قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إبْلِيس خَاصَّة دُون الْمَلَائِكَة الَّذِينَ فِي السَّمَوَات : اُسْجُدُوا لِآدَم ! فَسَجَدُوا كُلّهمْ أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيس أَبَى وَاسْتَكْبَرَ لِمَا كَانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسه مِنْ كِبْره وَاغْتِرَاره , فَقَالَ : لَا أَسْجُد لَهُ وَأَنَا خَيْر مِنْهُ وَأَكْبَر سِنًّا وَأَقْوَى خَلْقًا , خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين . يَقُول : إنَّ النَّار أَقْوَى مِنْ الطِّين . قَالَ : فَلَمَّا أَبَى إبْلِيس أَنْ يَسْجُد أَبْلَسَهُ اللَّه , وَآيَسَهُ مِنْ الْخَيْر كُلّه , وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا عُقُوبَة لِمَعْصِيَتِهِ , ثُمَّ عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا , وَهِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاء الَّتِي يَتَعَارَف بِهَا النَّاس : إنْسَان وَدَابَّة وَأَرْض وَسَهْل وَبَحْر وَجَبَل وَحِمَار , وَأَشْبَاه ذَلِكَ مِنْ الْأُمَم وَغَيْرهَا . ثُمَّ عَرَضَ هَذِهِ الْأَسْمَاء عَلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة , يَعْنِي الْمَلَائِكَة الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إبْلِيس الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْ نَار السَّمُوم , وَقَالَ لَهُمْ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } يَقُول : أَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَجْعَل فِي الْأَرْض خَلِيفَة . قَالَ : فَلَمَّا عَلِمَتْ الْمَلَائِكَة مُؤَاخَذَة اللَّه عَلَيْهِمْ فِيمَا تَكَلَّمُوا بِهِ مِنْ عِلْم الْغَيْب الَّذِي لَا يَعْلَمهُ غَيْره الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْم , قَالُوا : سُبْحَانك ! تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُون أَحَدٌ يَعْلَم الْغَيْب غَيْره , تُبْنَا إلَيْك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا ! تَبَرِّيًا مِنْهُمْ مِنْ عِلْم الْغَيْب , إلَّا مَا عَلَّمْتنَا كَمَا عَلَّمْت آدَم . فَقَالَ : { يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } يَقُول : أَخْبِرْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ } أَيّهَا الْمَلَائِكَة خَاصَّة { إنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَلَا يَعْلَمهُ غَيْرِي { وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ } يَقُول : مَا تُظْهِرُونَ { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يَقُول : أَعْلَم السِّرّ كَمَا أَعْلَم الْعَلَانِيَة , يَعْنِي مَا كَتَمَ إبْلِيس فِي نَفْسه مِنْ الْكِبْر وَالِاغْتِرَار . وَهَذِهِ الرِّوَايَة عَنْ ابْن عَبَّاس تُنْبِئ عَنْ أَنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرَصّ خَلِيفَة } خِطَاب مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِخَاصٍّ مِنْ الْمَلَائِكَة دُون الْجَمِيع , وَأَنَّ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَائِكَة كَانُوا قَبِيلَة إبْلِيس خَاصَّة , الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ جِنّ الْأَرْض قَبْل خَلْق آدَم . وَأَنَّ اللَّه إنَّمَا خَصَّهُمْ بِقَيْلِ ذَلِكَ امْتِحَانًا مِنْهُ لَهُمْ وَابْتِلَاء لِيُعَرِّفهُمْ قُصُور عِلْمهمْ وَفَضْل كَثِير مِمَّنْ هُوَ أَضَعْف خَلْقًا مِنْهُمْ مِنْ خَلْقه عَلَيْهِمْ , وَأَنَّ كَرَامَته لَا تُنَال بِقَوَى الْأَبَدَانِ وَشِدَّة الْأَجْسَام كَمَا ظَنَّهُ إبْلِيس عَدُوّ اللَّه . وَيُصَرِّح بِأَنَّ قَيْلهمْ لِرَبِّهِمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } كَانَتْ هَفْوَة مِنْهُمْ وَرَجْمًا بِالْغَيْبِ , وَأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَطْلَعَهُمْ عَلَى مَكْرُوه مَا نَطَقُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَوَقَفَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى تَابُوا وَأَنَابُوا إلَيْهِ مِمَّا قَالُوا وَنَطَقُوا مِنْ رَجْم الْغَيْب بِالظُّنُونِ , وَتَبَرَّءُوا إلَيْهِ أَنْ يُعَلِّم الْغَيْب غَيْره , وَأَظْهَرَ لَهُمْ مِنْ إبْلِيس مَا كَانَ مُنْطَوِيًا عَلَيْهِ مِنْ الْكِبْر الَّذِي قَدْ كَانَ عَنْهُمْ مُسْتَخْفِيًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس خِلَاف هَذِهِ الرِّوَايَة , وَهُوَ مَا : 510 - حَدَّثَنِي به موسى بن هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بن حماد , قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذَكَرَهُ عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما فرغ الله من خلق ما أَحَبَّ , استوى على العرش فجعل إبليس عَلَى مُلْك سَمَاء الدُّنْيَا , وَكَانَ مِنْ قَبِيلَة مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ ; وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنّ لِأَنَّهُمْ خُزَّان الْجَنَّة . وَكَانَ إبْلِيس مَعَ مُلْكه خَازِنًا , فَوَقَعَ فِي صَدْره كِبْر وَقَالَ : مَا أَعْطَانِي اللَّه هَذَا إلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي - هَكَذَا قَالَ مُوسَى بْن هَارُونَ , وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ غَيْره وَقَالَ : لِمَزِيَّةٍ لِي عَلَى الْمَلَائِكَة - فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ الْكِبْر فِي نَفْسه , اطَّلَعَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } قَالُوا : رَبّنَا وَمَا يَكُون ذَلِكَ الْخَلِيفَة ؟ قَالَ : يَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا { قَالُوا } رَبّنَا { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك قَالَ إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَعْنِي مِنْ شَأْن إبْلِيس . فَبَعَثَ جِبْرِيل إلَى الْأَرْض لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا , فَقَالَتْ الْأَرْض : إنِّي أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك أَنْ تُنْقِص مِنِّي أَوْ تَشِيننِي ! فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذ وَقَالَ : رَبّ إنَّهَا عَاذَتْ بِك فَأَعَذْتهَا . فَبَعَثَ اللَّه مِيكَائِيل , فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ كَمَا قَالَ جِبْرِيل . فَبَعَثَ مَلَك الْمَوْت , فَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ : وَأَنَا أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ أَرْجِع وَلَمْ أُنَفِّذ أَمْره . فَأَخَذَ مِنْ وَجْه الْأَرْض وَخَلَطَ , فَلَمْ يَأْخُذ مِنْ مَكَان وَاحِد , وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَة حَمْرَاء وَبَيْضَاء وَسَوْدَاء ; فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَم مُخْتَلِفِينَ , فَصَعِدَ بِهِ فَبَلْ التُّرَاب حَتَّى عَادَ طِينًا لَازِبًا - وَاللَّازِب : هُوَ الَّذِي يَلْتَزِق بَعْضه بِبَعْضٍ - ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى أَنْتَنَ وَتَغَيَّرَ , وَذَلِكَ حِين يَقُول : { مِنْ حَمَأ مَسْنُون } 15 28 قَالَ : مُنْتِن , ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ { إنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } 38 71 : 72 فَخَلَقَهُ اللَّه بِيَدَيْهِ لِكَيْلَا يَتَكَبَّر إبْلِيس عَلَيْهِ لِيَقُولَ لَهُ : تَتَكَبَّر عَمَّا عَمِلْت بِيَدَيَّ وَلَمْ أَتَكَبَّر أَنَا عَنْهُ ؟ فَخَلَقَهُ بَشَرًا , فَكَانَ جَسَدًا مِنْ طِين أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة . فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة فَفَزِعُوا مِنْهُ لَمَّا رَأَوْهُ , وَكَانَ أَشَدّهمْ مِنْهُ فَزِعًا إبْلِيس , فَكَانَ يَمُرّ فَيَضْرِبهُ , فَيُصَوِّت الْجَسَد كَمَا يُصَوِّت الْفَخَّار وَتَكُون لَهُ صَلْصَلَة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ } 55 14 وَيَقُول لِأَمْرٍ مَا خُلِقْت ! وَدَخَلَ فِيهِ فَخَرَجَ مِنْ دُبُره , فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : لَا تَرْهَبُوا مِنْ هَذَا , فَإِنَّ رَبّكُمْ صَمَد وَهَذَا أَجْوَف , لَئِنْ سُلِّطْت عَلَيْهِ لَأَهْلِكَنَّهُ ! فَلَمَّا بَلَغَ الْحِين الَّذِي يُرِيد اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَنْفُخ فِيهِ الرُّوح , قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : إذَا نَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَاسْجُدُوا لَهُ ! فَلَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوح , فَدَخَلَ الرُّوح فِي رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَة : قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ ! فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ لَهُ اللَّه : رَحِمَك رَبّك ! فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوح فِي عَيْنَيْهِ , نَظَرَ إلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفه اشْتَهَى الطَّعَام , فَوَثَبَ قَبْل أَنْ تَبْلُغ الرُّوح رِجْلَيْهِ عَجْلَان إلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } 21 37 فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيس أَبَى أَنْ يَكُون مَعَ السَّاجِدِينَ - أَيْ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ - قَالَ اللَّه لَهُ : { مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد } إذْ أَمَرْتُك { لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ قَالَ أَنَا خير مِنْهُ } لم أَكُنْ لِأَسْجُد لِبَشَرٍ خَلَقْته مِنْ طِين , قَالَ اللَّهُ لَهُ : { اُخْرُجْ مِنْهَا فَمَا يَكُون لَك } يَعْنِي مَا يَنْبَغِي لَك { أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ إنَّك مِنْ الصَّاغِرِينَ } وَالصَّغَار هُوَ الذُّلّ . قَالَ : وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا , ثُمَّ عَرَضَ الْخَلْق عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , فَقَالُوا لَهُ : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } اللَّه : { قَالَ يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قَالَ : قَوْلهمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } فَهَذَا الَّذِي أَبَدَوْا , وَأَعْلَم مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ , يَعْنِي مَا أَسَرَّ إبْلِيس فِي نَفْسه مِنْ الْكِبْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَهَذَا الْخَبَر أَوَّله مَخَالِف مَعْنَاهُ مَعْنَى الرِّوَايَة الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك الَّتِي قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرهَا قَبْل , وَمُوَافِق مَعْنَى آخِره مَعْنَاهَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّله أَنَّ الْمَلَائِكَة سَأَلَتْ رَبّهَا : مَا ذَاكَ الْخَلِيفَة ؟ حِين قَالَ لَهَا : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } فَأَجَابَهَا أَنَّهُ تَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا . فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة حِينَئِذٍ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } ؟ فَكَانَ قَوْل الْمَلَائِكَة مَا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ لِرَبِّهَا بَعْد إعْلَام اللَّه إيَّاهَا أَنَّ ذَلِكَ كَائِن مِنْ ذُرِّيَّة الْخَلِيفَة الَّذِي يَجْعَلهُ فِي الْأَرْض , فَذَلِكَ مَعْنَى خِلَاف أَوَّله مَعْنَى خَبَر الضَّحَّاك الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا مُوَافَقَته إيَّاهُ فِي آخِره , فَهُوَ قَوْلهمْ فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء . وَأَنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ إذْ قَالَ لَهَا رَبّهَا ذَلِكَ , تَبَرِّيًا مِنْ عِلْم الْغَيْب : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } . وَهَذَا إذَا تَدَبَّرَهُ ذُو الْفَهْم , عَلِمَ أَنَّ أَوَّله يُفْسِد آخِره , وَأَنَّ آخِره يبطل معنى أَوَّله ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنْ كَانَ أَخْبَرَ الْمَلَائِكَة أَنَّ ذُرِّيَّة الْخَلِيفَة الَّذِي يَجْعَلهُ فِي الْأَرْض تُفْسِد فِيهَا وَتَسْفِك الدِّمَاء , فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة لِرَبِّهَا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } فَلَا وَجْه لِتَوْبِيخِهَا عَلَى أَنْ أُخْبِرَتْ عَمَّنْ أَخْبَرَهَا اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ يُفْسِد فِي الْأَرْض وَيَسْفِك الدِّمَاء بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَهَا عَنْهُمْ رَبّهَا , فَيَجُوز أَنْ يُقَال لَهَا فِيمَا طُوِيَ عَنْهَا مِنْ الْعُلُوم إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا عَلِمْتُمْ بِخَبَرِ اللَّه إيَّاكُمْ أَنَّهُ كَائِن مِنْ الْأُمُور , فَأُخْبِرْتُمْ بِهِ , فَأَخْبِرُونَا بِاَلَّذِي قَدْ طَوَى اللَّه عَنْكُمْ عِلْمه , كَمَا قَدْ أَخْبَرْتُمُونَا بِاَلَّذِي قَدْ أَطْلَعَكُمْ اللَّه عَلَيْهِ . بَلْ ذَلِكَ خُلْف مِنْ التَّأْوِيل , وَدَعْوَى عَلَى اللَّه مَا لَا يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ صِفَة . وَأَخْشَى أَنْ يَكُون بَعْض نَقَلَة هَذَا الْخَبَر هُوَ الَّذِي غَلَط عَلَى مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَة , وَأَنْ يَكُون التَّأْوِيل مِنْهُمْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا ظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ أَدْرَكْتُمُوهُ مِنْ الْعِلْم بِخَبَرِي إيَّاكُمْ أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , حَتَّى اسْتَجَرْتُمْ أَنْ تَقُولُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } فَيَكُون التَّوْبِيخ حِينَئِذٍ وَاقِعًا عَلَى مَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ أَدْرَكُوا بِقَوْلِ اللَّه لَهُمْ : إنَّهُ يَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , لَا عَلَى إخْبَارهمْ بِمَا أَخْبَرَهُمْ اللَّه بِهِ أَنَّهُ كَائِن . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا يَكُون مِنْ بَعْض ذُرِّيَّة خَلِيفَته فِي الْأَرْض مَا يَكُون مِنْهُ فِيهَا مِنْ الْفَسَاد وَسَفْك الدِّمَاء , فَقَدْ كَانَ طَوَى عَنْهُمْ الْخَبَر عَمَّا يَكُون مِنْ كَثِير مِنْهُمْ مَا يَكُون مِنْ طَاعَتهمْ رَبّهمْ وَإِصْلَاحهمْ فِي أَرْضه وَحَقْن الدِّمَاء وَرَفْعه مَنْزِلَتهمْ وَكَرَامَتهمْ عَلَيْهِ , فَلَمْ يُخْبِرهُمْ بِذَلِكَ , فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } عَلَى ظَنّ مِنْهَا عَلَى تَأْوِيل هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْت , وَظَاهِرهمَا أَنَّ جَمِيع ذُرِّيَّة الْخَلِيفَة الَّذِي يَجْعَلهُ فِي الْأَرْض يُفْسِدُونَ فِيهَا وَيَسْفِكُونَ فِيهَا الدِّمَاء . فَقَالَ اللَّه لَهُمْ إذْ عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَمِيع بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء عَلَى مَا ظَنَنْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ , إنْكَارًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِقِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْجَمِيع وَالْعُمُوم , وَهُوَ مِنْ صِفَة خَاصّ ذُرِّيَّة الْخَلِيفَة مِنْهُمْ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ صِفَة مِنَّا لِتَأْوِيلِ الْخَبَر لَا الْقَوْل الَّذِي نَخْتَارهُ فِي تَأْوِيل الْآيَة . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَوْجِيه خَبَر الْمَلَائِكَة عَنْ إفْسَاد ذُرِّيَّة الْخَلِيفَة وَسَفْكهَا الدِّمَاء عَلَى الْعُمُوم , مَا : 511 - حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ , قَوْله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } قَالَ : يَعْنُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 512 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } فَاسْتَخَارَ الْمَلَائِكَة فِي خَلْق آدَم , فَقَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } وَقَدْ عَلِمَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ عِلْم اللَّه أَنَّهُ لَا شَيْء أَكْرَه إلَى اللَّه مِنْ سَفْك الدِّمَاء وَالْفَسَاد فِي الْأَرْض ; { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك قَالَ إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَكَانَ فِي عِلْم اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَة أَنْبِيَاء وَرُسُل , وَقَوْم صَالِحُونَ , وَسَاكِنُو الْجَنَّة . قَالَ : وَذَكَر لَنَا أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : إنَّ اللَّه لَمَا أَخَذَ فِي خَلْق آدَم قَالَتْ الْمَلَائِكَة : مَا اللَّه خَالِق خَلْقًا أَكْرَم عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَم مِنَّا ! فَابْتُلُوا بِخَلْقِ آدَم , وَكُلّ خَلْق مُبْتَلَى , كَمَا اُبْتُلِيَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالطَّاعَةِ فَقَالَ اللَّه : { ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } 41 11 وَهَذَا الْخَبَر عَنْ قَتَادَةَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ كَانَ يَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ مَا قَالَتْ مِنْ قَوْلهَا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } عَلَى غَيْر يَقِين عِلْم تَقَدَّمَ مِنْهَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِن ; وَلَكِنْ عَلَى الرَّأْي مِنْهَا وَالظَّنّ , وَأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلهَا وَرَدَّ عَلَيْهَا مَا رَأَتْ بِقَوْلِهِ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } مِنْ أَنَّهُ يَكُون مِنْ ذُرِّيَّة ذَلِكَ الْخَلِيفَة الْأَنْبِيَاء وَالرَّسْل وَالْمُجْتَهِد فِي طَاعَة اللَّه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ خِلَاف هَذَا التَّأْوِيل , وَهُوَ مَا : 513 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } قَالَ : كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ إذَا كَانَ فِي الْأَرْض خَلْق أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَذَلِكَ قَوْله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } . وَبِمِثْلِ قَوْل قَتَادَةَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل , مِنْهُمْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ . 514 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ جَرِير بْن حَازِم , وَمُبَارَك عَنْ الْحَسَن وَأَبِي بَكْر عَنْ الْحَسَن , وَقَتَادَةُ قَالَا : قَالَ اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْضَ خَلِيفَة } قَالَ لَهُمْ إنِّي فَاعِل . فَعَرَضُوا بِرَأْيِهِمْ , فَعَلَّمَهُمْ عِلْمًا وَطَوَى عَنْهُمْ عِلْمًا عَلِمَهُ لَا يَعْلَمُونَهُ . فَقَالُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } - وَقَدْ كَانَتْ الْمَلَائِكَة عَلِمَتْ مِنْ عِلْم اللَّه أَنَّهُ لَا ذَنْب أَعْظَم عِنْد اللَّه مِنْ سَفْك الدِّمَاء - { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك قَالَ إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } . فَلَمَّا أَخَذَ فِي خَلْق آدَم , هَمَسَتْ الْمَلَائِكَة فِيمَا بَيْنهَا , فَقَالُوا : لِيَخْلُق رَبّنَا مَا شَاءَ أَنْ يَخْلُق , فَلَنْ يَخْلُق خَلْقًا إلَّا كُنَّا أَعْلَم مِنْهُ , وَأَكْرَم عَلَيْهِ مِنْهُ . فَلَمَّا خَلَقَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه , أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ لَمَّا قَالُوا , فَفَضْله عَلَيْهِمْ , فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِخَيْرٍ مِنْهُ , فَقَالُوا : إنْ لَمْ نَكُنْ خَيْرًا منه فَنَحْنُ أَعْلَم مِنْهُ , لِأَنَّا كُنَّا قَبْله , وَخُلِقَتْ الْأُمَم قَبْله , فَلَمَّا أُعْجِبُوا بِعِلْمِهِمْ اُبْتُلُوا { فَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إِنِّي لَا أَخْلُق خَلْقًا إلَّا كُنْتُمْ أَعْلَم مِنْهُ , فَأَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ! قَالَ : فَفَزِعَ الْقَوْم إلَى التَّوْبَة - وَإِلَيْهَا يَفْزَع كُلّ مُؤْمِن - فَقَالُوا : { سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم قَالَ يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } لِقَوْلِهِمْ : لِيَخْلُق رَبّنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُق خَلْقًا أَكْرَم عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَم مِنَّا . قَالَ : عَلَّمَهُ اسْم كُلّ شَيْء , هَذِهِ الْجِبَال وَهَذِهِ الْبِغَال , وَالْإِبِل , وَالْجِنّ , وَالْوَحْش , وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلّ شَيْء بِاسْمِهِ , وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ كُلّ أُمَّة ف { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } . قَالَ : أَمَّا مَا أَبْدَوْا فَقَوْلهمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } . وَأَمَّا مَا كَتَمُوا فَقَوْل بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : نَحْنُ خَيْر مِنْهُ وَأَعْلَم . 515 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } الْآيَة . قَالَ : إنَّ اللَّه خَلَقَ الْمَلَائِكَة يَوْم الْأَرْبِعَاء وَخَلَقَ الْجِنّ يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ آدَم يَوْم الْجُمُعَة . قَالَ : فَكَفَرَ قَوْم مِنْ الْجِنّ , فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة تَهْبِط إلَيْهِمْ فِي الْأَرْض فَتُقَاتِلهُمْ , فَكَانَتْ الدِّمَاء , وَكَانَ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . فَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } . . . الْآيَة . 516 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , بِمِثْلِهِ . { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إلَى قَوْله : { إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } قَالَ : وَذَلِكَ حِين قَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا بَيْنهمْ : لَنْ يَخْلُق اللَّه خَلْقًا إلَّا كُنَّا نَحْنُ أَعْلَم مِنْهُ وَأَكْرَم ! فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يُخْبِرهُمْ أَنَّهُ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَم , وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا , فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إلَى قَوْله : { وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } وَكَانَ الَّذِي أَبْدَوْا حِين { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } وَكَانَ الَّذِي كَتَمُوا بَيْنهمْ قَوْلهمْ : لَنْ يَخْلُق اللَّه خَلْقًا إلَّا كُنَّا نَحْنُ أَعْلَم مِنْهُ وَأَكْرَم . فَعَرَفُوا أَنَّ اللَّه فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَم فِي الْعِلْم وَالْكَرَم . وَقَالَ ابْن زَيْد بِمَا : 517 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : لَمَّا خَلَقَ اللَّه النَّار ذَعَرَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَة ذُعْرًا شَدِيدًا , وَقَالُوا : رَبّنَا لِمَ خَلَقْت هَذِهِ النَّار , وَلِأَيِّ شَيْء خَلَقْتهَا ؟ قَالَ : لِمَنْ عَصَانِي مِنْ خَلْقِي . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خَلْق يَوْمئِذٍ إلَّا الْمَلَائِكَة وَالْأَرْض , لَيْسَ فِيهَا خَلْق , إنَّمَا خَلَقَ آدَم بَعْد ذَلِكَ . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } 76 1 قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : يَا رَسُول اللَّه لَيْتَ ذَلِكَ الْحِين . ثُمَّ قَالَ : قَالَتْ الْمَلَائِكَة : يَا رَبّ أَوَ يَأْتِي عَلَيْنَا دَهْر نَعْصِيك فِيهِ ! لَا يَرَوْنَ لَهُ خَلْقًا غَيْرهمْ . قَالَ : لَا , إنِّي أُرِيد أَنْ أَخْلُق فِي الْأَرْض خَلْقًا وَأَجْعَل فِيهَا خَلِيقَة يَسْفِكُونَ الدِّمَاء وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض . فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } وَقَدْ اخْتَرْتنَا ؟ فَاجْعَلْنَا نَحْنُ فِيهَا فَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك وَنَعْمَل فِيهَا بِطَاعَتِك ! وَأَعْظَمَتْ الْمَلَائِكَة أَنْ يَجْعَل اللَّه فِي الْأَرْض مَنْ يَعْصِيه . فَقَالَ : إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ , يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ! فَقَالَ : فُلَان , وَفُلَان . قَالَ : فَلَمَّا رَأَوْا مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ الْعِلْم , أَقَرُّوا لِآدَم بِالْفَضْلِ عَلَيْهِمْ , وَأَبَى الْخَبِيث إبْلِيس أَنْ يُقِرّ لَهُ , قَالَ : { أَنَا خَيْر مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُون لَك أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا } . وَقَالَ ابْن إسْحَاق بِمَا : 518 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : لَمَّا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَخْلُق آدَم بِقُدْرَتِهِ لِيَبْتَلِيَهُ وَيَبْتَلِي بِهِ , لِعِلْمِهِ بِمَا فِي مَلَائِكَته وَجَمِيع خَلْقه - وَكَانَ أَوَّل بَلَاء اُبْتُلِيَتْ بِهِ الْمَلَائِكَة مِمَّا لَهَا فِيهِ مَا تُحِبّ وَمَا تَكْرَه لِلْبَلَاءِ وَالتَّمْحِيص لِمَا فِيهِمْ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوا وَأَحَاطَ بِهِ عِلْم اللَّه مِنْهُمْ - جَمَعَ الْمَلَائِكَة مِنْ سُكَّان السَّمَوَات وَالْأَرْض , ثُمَّ قَالَ : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } يَقُول : عَامِر أَوْ سَاكِن يَسْكُنهَا وَيَعْمُرهَا خَلْقًا لَيْسَ مِنْكُمْ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ , فَقَالَ : يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء وَيَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي , فَقَالُوا جَمِيعًا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } لَا نَعْصِي وَلَا نَأْتِي شَيْئًا كَرِهْته ؟ قَالَ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } - قَالَ : إنِّي أَعْلَم فِيكُمْ وَمِنْكُمْ , وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ - مِنْ الْمَعْصِيَة وَالْفَسَاد وَسَفْك الدِّمَاء وَإِتْيَان مَا أُكْرِهَ مِنْهُمْ , مِمَّا يَكُون فِي الْأَرْض , مِمَّا ذُكِرَتْ فِي بَنِي آدَم . قَالَ اللَّه لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْم بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ إنْ يُوحَى إلَيَّ إلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِير مُبِين } إلَى قَوْله : { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } 38 69 : 71 فَذَكَرَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذِكْره آدَم حِين أَرَادَ خَلْقه وَمُرَاجَعَة الْمَلَائِكَة إيَّاهُ فِيمَا ذَكَرَ لَهُمْ مِنْهُ . فَلَمَّا عَزَمَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَلَى خَلْق آدَم قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : { إنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون } 15 28 بِيَدَيَّ تَكْرِمَة لَهُ , وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ , وَتَشْرِيفًا لَهُ ; حَفِظَتْ الْمَلَائِكَة عَهْده , وَوَعَوْا قَوْله , وَأَجْمَعُوا الطَّاعَة , إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَدُوّ اللَّه إبْلِيس , فَإِنَّهُ صَمَتَ عَلَى مَا كَانَ فِي نَفْسه مِنْ الْحَسَد وَالْبَغْي وَالتَّكَبُّر وَالْمَعْصِيَة . وَخَلْق اللَّه آدَم مِنْ أَدَمَة الْأَرْض , مِنْ طِين لَازِب مِنْ حَمَأ مَسْنُون , بَيْدَيْهِ تَكْرِمَة لَهُ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَشْرِيفًا لَهُ عَلَى سَائِر خَلْقه . قَالَ ابْن إسْحَاق : فَيُقَال وَاَللَّه أَعْلَم : خَلَقَ اللَّه آدَم ثُمَّ وَضَعَهُ يَنْظُر إلَيْهِ أَرْبَعِينَ عَامًا قَبْل أَنْ يَنْفُخ فِيهِ الرُّوح حَتَّى عَادَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ , وَلَمْ تَمَسّهُ نَار . قَالَ : فَيُقَال وَاَللَّه أَعْلَم : إنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الرُّوح إلَى رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ ! فَقَالَ لَهُ رَبّه : يَرْحَمك رَبّك ! وَوَقَعَ الْمَلَائِكَة حِين اسْتَوَى سُجُودًا لَهُ حِفْظًا لِعَهْدِ اللَّه الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِمْ , وَطَاعَة لِأَمْرِهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ . وَقَامَ عَدُوّ اللَّه إبْلِيس مِنْ بَيْنهمْ , فَلَمْ يَسْجُد مُكَابِرًا مُتَعَظِّمًا بَغْيًا وَحَسَدًا , فَقَالَ لَهُ : { يَا إبْلِيس مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ } إلَى : { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تَبِعَك مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } 38 75 : 85 قَالَ : فَلَمَّا فَرَغَ اللَّه مِنْ إبْلِيس وَمُعَاتَبَته وَأَبَى إلَى الْمَعْصِيَة , أَوَقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آدَم , وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاء كُلّهَا , فَقَالَ : { يَا آدَم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قَالُوا سُبْحَانك لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا إنَّك أَنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم } أَيْ إنَّمَا أَجَبْنَاك فِيمَا عَلَّمْتنَا , فَأَمَّا مَا لَمْ تُعَلِّمنَا فَأَنْت أَعْلَم بِهِ . فَكَانَ مَا سَمَّى آدَم مِنْ شَيْء كَانَ اسْمه الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ ابْن جُرَيْجٍ بِمَا : 519 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : إنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ كَائِن مِنْ خَلْق آدَم , فَقَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَة مَا قَالَتْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } لِأَنَّ اللَّه أَذِنَ لَهَا فِي السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ بَعْد مَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَائِن مِنْ بَنِي آدَم , فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَة فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّب مِنْهَا : وَكَيْفَ يَعْصُونَك يَا رَبّ وَأَنْت خَالِقهمْ ! فَأَجَابَهُمْ رَبّهمْ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَائِن مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ , وَمِنْ بَعْض مَنْ تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا . يَعْرِفهُمْ بِذَلِكَ قُصُور عِلْمهمْ عَنْ عِلْمه وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : قَوْل الْمَلَائِكَة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } عَلَى غَيْر وَجْه الْإِنْكَار مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ لِيَعْلَمُوا , وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ . وَقَالَ : قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يُعْصَى اللَّه , لِأَنَّ الْجِنّ قَدْ كَانَتْ أُمِرَتْ قَبْل ذَلِكَ فَعَصَتْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى وَجْه الِاسْتِرْشَاد عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَبّ خَبِّرْنَا ; مَسْأَلَة اسْتِخْبَار مِنْهُمْ لِلَّهِ لَا عَلَى وَجْه مَسْأَلَة التَّوْبِيخ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَات بِقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ مَلَائِكَته قِيلهَا لَهُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } تَأْوِيل مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ مِنْهَا اسْتِخْبَار لِرَبِّهَا ; بِمَعْنَى : أَعْلِمْنَا يَا رَبّنَا , أَجَاعِل أَنْتَ فِي الْأَرْض مِنْ هَذِهِ صِفَته وَتَارِك أَنْ تَجْعَل خُلَفَاءَك مِنَّا , وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك , وَنُقَدِّس لَك ؟ لَا إنْكَار مِنْهَا لِمَا أَعْلَمَهَا رَبّهَا أَنَّهُ فَاعِل , وَإِنْ كَانَتْ قَدْ اسْتَعْظَمَتْ لَمَّا أُخْبِرَتْ بِذَلِكَ أَنْ يكون لله خلق يعصيه . وأما دعوى مَنْ زعم أن الله جل ثناؤه كان أَذِنَ لها بالسؤال عن ذلك فسألته على وجه التَّعَجُّب , فَدَعْوَى لَا دَلَالَة عَلَيْهَا فِي ظَاهِر التَّنْزِيل وَلَا خَبَر بِهَا مِنْ الْحُجَّة يَقْطَع الْعُذْر , وَغَيْر حَائِز أَنْ يُقَال فِي تَأْوِيل كِتَاب اللَّه بِمَا لَا دَلَالَة عَلَيْهِ مِنْ بَعْض الْوُجُوه الَّتِي تَقُوم بِهَا الْحُجَّة . وَأَمَّا وَصْف الْمَلَائِكَة مِنْ وَصَفَتْ فِي اسْتِخْبَارهَا رَبّهَا عَنْهُ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْض وَسَفْك الدِّمَاء , فَغَيْر مُسْتَحِيل فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود مِنْ الْقَوْل الَّذِي رَوَاهُ السُّدِّيّ وَوَافَقَهُمَا عَلَيْهِ قَتَادَةَ مِنْ التَّأْوِيل . وَهُوَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة تَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا , فَقَالُوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } عَلَى مَا وَصَفَتْ مِنْ الِاسْتِخْبَار . فَإِنَّ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه اسْتِخْبَارهَا وَالْأَمْر عَلَى مَا وَصَفَتْ مِنْ أَنَّهَا قَدْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِن ؟ قِيلَ : وَجْه اسْتِخْبَارهَا حِينَئِذٍ يَكُون عَنْ حَالهمْ عَنْ وُقُوع ذَلِكَ , وَهَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ؟ وَمَسْأَلَتهمْ رَبّهمْ أَنْ يَجْعَلهُمْ الْخُلَفَاء فِي الْأَرْض حَتَّى لَا يَعْصُوهُ . وَغَيْر فَاسِد أَيْضًا مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس وَتَابِعه عَلَيْهِ الرَّبِيع بْن أَنَس مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ عِنْدهَا مِنْ عِلْم سُكَّان الْأَرْض قَبْل آدَم مِنْ الْجِنّ , فَقَالَتْ لِرَبِّهَا : أَجَاعِل فِيهَا أَنْتَ مِثْلهمْ مِنْ الْخَلْق يَفْعَلُونَ مِثْل الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ ؟ عَلَى وَجْه الِاسْتِعْلَام مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ , لَا عَلَى وَجْه الْإِيجَاب أَنَّ ذَلِكَ كَائِن كَذَلِكَ , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْهَا إخْبَارًا عَمَّا لَمْ تَطْلُع عَلَيْهِ مِنْ عِلْم الْغَيْب . وَغَيْر خَطَأ أَيْضًا مَا قَالَهُ ابْن زَيْد مِنْ أَنْ يَكُون قِيلَ الْمَلَائِكَة مَا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه التَّعَجُّب مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُون لِلَّهِ خَلْق يَعْصِي خَالِقه . وَإِنَّمَا تَرَكْنَا الْقَوْل بِاَلَّذِي رَوَاهُ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيع بْن أَنَس وَبِاَلَّذِي قَالَهُ ابْن زَيْد فِي تَأْوِيل ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا خَبَر عِنْدنَا بِاَلَّذِي قَالُوهُ مِنْ وَجْه يَقْطَع مَجِيئَهُ الْعُذْر وَيَلْزَم سَامِعه بِهِ الْحُجَّة . وَالْخَبَر عَمَّا مَضَى وَمَا قَدْ سَلَف , لَا يُدْرِك عِلْم صِحَّته إلَّا بِمَجِيئِهِ مَجِيئًا يمتنع منه التَّشَاغُب وَالتَّوَاطُؤ , وَيَسْتَحِيل منه الْكَذِب وَالْخَطَأ وَالسَّهْو . وليس ذلك بِمَوْجُودٍ كَذَلِكَ فِيمَا حَكَاهُ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيع , وَلَا فِيمَا قَالَهُ ابْن زَيْد . فَأَوْلَى التَّأْوِيلَات إذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ بِالْآيَةِ , مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِر التَّنْزِيل دَلَالَة مِمَّا يَصِحّ مَخْرَجه فِي الْمَفْهُوم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ أَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ هُوَ مَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ الْمَلَائِكَة بِأَنَّ ذُرِّيَّة خَلِيفَته فِي الْأَرْض يُفْسِدُونَ فِيهَا وَيَسْفِكُونَ فِيهَا الدِّمَاء , فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ قَالَتْ الْمَلَائِكَة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } فَأَيْنَ ذِكْر إخْبَار اللَّه إيَّاهُمْ فِي كِتَابه بِذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : اكْتَفِي بِدَلَالَةِ مَا قَدْ ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ عَنْهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّم عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ خَامِرِي أُمَّ عَامِرٍ فَحَذَفَ قَوْله دَعُونِي لِلَّتِي يُقَال لَهَا عِنْد صَيْدهَا خَامِرِي أُمَّ عَامِر , إذْ كَانَ فِيمَا أَظَهَرَ مِنْ كَلَامه دَلَالَة عَلَى مَعْنَى مُرَاده . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا } لَمَّا كَانَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَا تَرَكَ ذِكْره بَعْد قَوْله : { إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة } مِنْ الْخَبَر عَمَّا يَكُون مِنْ إفْسَاد ذُرِّيَّته فِي الْأَرْض اكْتَفَى بِدَلَالَتِهِ وَحَذَفَ , فَتَرَك ذِكْره كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْل الشَّاعِر وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن وَأَشْعَار الْعَرَب وَكَلَامهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصَى . فَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } .





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا قَوْله : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك } فَإِنَّهُ يَعْنِي : إنَّا نُعَظِّمك بِالْحَمْدِ لَك وَالشُّكْر , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك } 110 3 وَكَمَا قَالَ : { وَالْمَلَائِكَة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ } 42 5 وَكُلّ ذِكْر لِلَّهِ عِنْد الْعَرَب فَتَسْبِيح وَصَلَاة , يَقُول الرَّجُل مِنْهُمْ : قَضَيْت سُبْحَتِي مِنْ الذِّكْر وَالصَّلَاة . وَقَدْ قِيلَ إنَّ التَّسْبِيح صَلَاة الْمَلَائِكَة . 520 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي , فَمَرَّ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْت جَالِس ! فَقَالَ لَهُ : امْضِ إلَى عَمَلك إنْ كَانَ لَك عَمَل , فَقَالَ : مَا أَظُنّ إلَّا سَيَمُرُّ عَلَيْك مَنْ يُنْكِر عَلَيْك فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَقَالَ لَهُ : يَا فُلَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنْت جَالِس ! فَقَالَ لَهُ مِثْلهَا فَقَالَ : هَذَا مِنْ عَمَلِي . فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى انْتَهَى . ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِد فَصَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إلَيْهِ عُمَر , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه مَرَرْت آنِفًا عَلَى فُلَان وَأَنْت تُصَلِّي , فَقُلْت لَهُ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنْت جَالِس ! فَقَالَ : سِرْ إلَى عَمَلك إنْ كَانَ لَك عَمَل . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلَّا ضَرَبْت عُنُقه " فَقَامَ . ... عُمَر مُسْرِعًا . فَقَالَ : " يَا عُمَر ارْجِعْ فَإِنَّ غَضَبك عِزّ وَرِضَاك حُكْم , إنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَوَات السَّبْع مَلَائِكَة يُصَلُّونَ لَهُ غِنًى عَنْ صَلَاة فُلَان " . فَقَالَ عُمَر : يَا نَبِيّ اللَّه وَمَا صَلَاتهمْ ؟ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا . فَأَتَاهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه سَأَلَك عُمَر عَنْ صَلَاة أَهْل السَّمَاء ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَى عُمَر السَّلَام , وَأَخْبِرْهُ أَنَّ أَهْل السَّمَاء الدُّنْيَا سُجُود إلَى يَوْم الْقِيَامَة يَقُولُونَ : سُبْحَان ذِي الْمَلِك وَالْمَلَكُوت , وَأَهْل السَّمَاء الثَّانِيَة رُكُوع إلَى يَوْم الْقِيَامَة يَقُولُونَ : سُبْحَان ذِي الْعِزَّة وَالْجَبَرُوت , وَأَهْل السَّمَاء الثَّالِثَة قِيَام إلَى يَوْم الْقِيَامَة يَقُولُونَ : سُبْحَان الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : 521 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , وَسَهْل بْن مُوسَى الرَّازِيُّ , قَالَا : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْجَرِيرِيّ , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْجَسْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت , عَنْ أَبِي ذَرّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَادَهُ - أَوْ أَنَّ أَبَا ذَرّ عَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه بِأَبِي أَنْتَ , أَيْ الْكَلَام أَحَبّ إلَى اللَّه ؟ فَقَالَ : " مَا اصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ : سُبْحَان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ , سُبْحَان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ " صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي أَشْكَال لَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَار كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِاسْتِقْصَائِهَا . وَأَصْل التَّسْبِيح لِلَّهِ عِنْد الْعَرَب التَّنْزِيه لَهُ مِنْ إضَافَة مَا لَيْسَ مِنْ صِفَاته إلَيْهِ وَالتَّبْرِئَة لَهُ مِنْ ذَلِكَ , كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : أَقُول لَمَّا جَاءَنِي فَخْره سُبْحَان مِنْ عَلْقَمَة الْفَاخِر يُرِيد : سُبْحَان اللَّه مِنْ فَخْر عَلْقَمَة ! أَيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِمَّا أَتَى عَلْقَمَة مِنْ الِافْتِخَار عَلَى وَجْه النَّكِير مِنْهُ لِذَلِكَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْلهمْ : نُسَبِّح بِحَمْدِك : نُصَلِّي لَك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 522 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : يَقُولُونَ : نُصَلِّي لَك . وَقَالَ آخَرُونَ : { نُسَبِّح بِحَمْدِك } التَّسْبِيح الْمَعْلُوم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 523 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك } قَالَ التَّسْبِيح التَّسْبِيح . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنُقَدِّس لَك } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالتَّقْدِيس هُوَ التَّطْهِير وَالتَّعْظِيم ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : سُبُّوح قُدُّوس , يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ سُبُّوح : تَنْزِيهًا لِلَّهِ ; وَبِقَوْلِهِمْ قُدُّوس : طَهَارَة لَهُ وَتَعْظِيمًا ; وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْأَرْضِ : أَرْض مُقَدَّسَة , يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَة . فَمَعْنَى قَوْل الْمَلَائِكَة إذًا { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك } نُنَزِّهك وَنُبَرِّئك مِمَّا يُضِيفهُ إلَيْك أَهْل الشِّرْك بِك , وَنُصَلِّي لَك . وَنُقَدِّس لَك : نَنْسُبك إلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتك مِنْ الطَّهَارَة مِنْ الْأَدْنَاس وَمَا أَضَافَ إلَيْك أَهْل الْكُفْر بِك . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ تَقْدِيس الْمَلَائِكَة لِرَبِّهَا صَلَاتهَا لَهُ كَمَا : 524 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : التَّقْدِيس : الصَّلَاة . وَقَالَ بَعْضهمْ : نُقَدِّس لَك : نُعَظِّمك وَنُمَجِّدك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 525 حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِم بْن الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْمُؤَدِّب , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح فِي قَوْله : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : نُعَظِّمك وَنُمَجِّدك . 526 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى . وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل جَمِيعًا , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : نُعَظِّمك وَنُكَبِّرك . 527 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق : { وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك } لَا نَعْصِي وَلَا نَأْتِي شَيْئًا تَكْرَههُ . 528 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَنُقَدِّس لَك } قَالَ : التَّقْدِيس : التَّطْهِير . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ التَّقْدِيس الصَّلَاة أَوْ التَّعْظِيم , فَإِنَّ مَعْنَى قَوْله ذَلِكَ رَاجِع إلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّطْهِير ; مِنْ أَجْل أَنَّ صَلَاتهَا لِرَبِّهَا تَعْظِيم مِنْهَا لَهُ وَتَطْهِير مِمَّا يَنْسُبهُ إلَيْهِ أَهْل الْكُفْر بِهِ . وَلَوْ قَالَ مَكَان : " وَنُقَدِّس لَك " : " وَنُقَدِّسك " , كَانَ فَصِيحًا مِنْ الْكَلَام , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : فُلَان يُسَبِّح اللَّه وَيُقَدِّسهُ , وَيُسَبِّح لِلَّهِ وَيُقَدِّس لَهُ بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَدْ جَاءَ بِذَلِكَ الْقُرْآن , قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَيْ نُسَبِّحك كَثِيرًا وَنَذْكُرك كَثِيرًا } 20 33 : 34 صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { يُسَبِّح لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } 62 1





الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ ; فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ إبْلِيس , وَإِضْمَاره الْمَعْصِيَة لِلَّهِ وَإِخْفَائِهِ الْكِبْر , مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ وَخَفِيَ عَلَى مَلَائِكَته . ذِكْر مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 529 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول إنِّي قَدْ اطَّلَعْت مِنْ قَلْب إبْلِيس عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبْره وَاغْتِرَاره . 530 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَعْنِي مِنْ شَأْن إبْلِيس . 531 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّل , قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة وَخَلَقَهُ لَهَا . وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مُجَاهِد بِمِثْلِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن يَمَانِ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مُجَاهِد مِثْله وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّام عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بزة عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة وَخَلَقَهُ لَهَا . وَحَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد البزوري , قَالَ : حَدَّثَنَا حَسَن بْن بِشْر عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس كِتْمَانه الْكِبْر أَنْ لَا يَسْجُد لِآدَم . * وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل جَمِيعًا عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة . وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة وَخَلَقَهُ لَهَا . وَقَالَ مُرَّة آدَم . وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الْوَهَّاب بْن مُجَاهِد يُحَدِّث عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة وَخَلَقَهُ لَهَا , وَعَلِمَ مِنْ آدَم الطَّاعَة وَخَلَقَهُ لَهَا . وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ وَالثَّوْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : عَلِمَ مِنْ إبْلِيس الْمَعْصِيَة وَخَلَقَهُ لَهَا . 532 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } أَيْ فِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ مِنْ الْمَعْصِيَة وَالْفَسَاد وَسَفْك الدِّمَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَنَّهُ يَكُون مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَة أَهْل الطَّاعَة وَالْوِلَايَة لِلَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 533 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَكَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَة أَنْبِيَاء وَرُسُل وَقَوْم صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّة . وَهَذَا الْخَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , يُنْبِئ عَنْ أَنَّ الْمَلَائِكَة الَّتِي قَالَتْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } اسْتَفْظَعَتْ أَنْ يَكُون لِلَّهِ خَلْق يَعْصِيه , وَعَجِبَتْ مِنْهُ إذْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِن ; فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : { إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم : إنَّكُمْ لَتَعْجَبُونَ مِنْ أَمْر اللَّه وتستفظعونه وَأَنَا أَعْلَم أَنَّهُ فِي بَعْضكُمْ , وَتَصِفُونَ أَنْفُسكُمْ بِصِفَةٍ أَعْلَم خِلَافهَا مِنْ بَعْضكُمْ وَتَعْرِضُونَ بِأَمْرٍ قَدْ جَعَلْته لِغَيْرِكُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَة لَمَّا أَخْبَرَهَا رَبّهَا بِمَا هُوَ كَائِن مِنْ ذُرِّيَّة خَلِيفَته مِنْ الْفَسَاد وَسَفْك الدِّمَاء قَالَتْ لِرَبِّهَا : يَا رَبّ أَجَاعِل أَنْتَ فِي الْأَرْض خَلِيفَة مِنْ غَيْرنَا يَكُون مِنْ ذُرِّيَّته مِنْ يَعْصِيك أَمْ مِنَّا ؟ فَإِنَّا نُعَظِّمك وَنُصَلِّي لَك وَنُطِيعك وَلَا نَعْصِيك ! وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهَا عِلْم بِمَا قَدْ انْطَوَى عَلَيْهِ كَشْحًا إبْلِيس مِنْ اسْتِكْبَاره عَلَى رَبّه . فَقَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : إنِّي أَعْلَم غَيْر الَّذِي تَقُولُونَ مِنْ بَعْضكُمْ . وَذَلِكَ هُوَ مَا كَانَ مَسْتُورًا عَنْهُمْ مِنْ أَمْر إبْلِيس وَانْطِوَائِهِ عَلَى مَا قَدْ كَانَ انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْكِبْر . وَعَلَى قِيلهمْ ذَلِكَ وَوَصْفهمْ أَنْفُسهمْ بِالْعُمُومِ مِنْ الْوَصْف عُوتِبُوا .
" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً " .
هذا شروع في ابتداء خلق آدم عليه السلام أبي البشر, وفضله, وأن الله تعالى - حين أراد خلقه - أخبر الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض.
فقالت الملائكة عليهم السلام: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا " بالمعاصي " وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ " , وهذا تخصيص بعد تعميم, لبيان شدة مفسدة القتل.
وهذا بحسب ظنهم أن المجهول في الأرض, سيحدث منه ذلك, فنزهوا الباري عن ذلك, وعظموه, وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا.
" وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ " أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك.
" وَنُقَدِّسُ لَكَ " يحتمل أن معناها: ونقدسك, فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص.
ويحتمل أن يكون, ونقدس لك أنفسنا.
أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة, كمحبة الله وخشيته وتعظيمه, ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.
قال الله للملائكة: " إِنِّي أَعْلَمُ " من هذا الخليفة " مَا لَا تَعْلَمُونَ " .
لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك, من الشر فلو لم يكن في ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين, والشهداء والصالحين, ولتظهر آياته للخلق, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كمن في غرائز المكلفين من الخير والشر بالامتحان, وليتبين عدوه من وليه, وحزبه من حربه, وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حكم عظيمة, يكفي بعضها في ذلك.
واذكر -أيها الرسول- للناس حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها. قالت: يا ربَّنا علِّمْنا وأَرْشِدْنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أنَّ من شأنهم الإفساد في الأرض واراقة الدماء ظلما وعدوانًا ونحن طوع أمرك، ننزِّهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ونمجِّدك بكل صفات الكمال والجلال؟ قال الله لهم: إني أعلم ما لا تعلمون من الحكمة البالغة في خلقهم.
وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إذْ " قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة" يَخْلُفنِي فِي تَنْفِيذ أَحْكَامِي فِيهَا وَهُوَ آدَم "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا" بِالْمَعَاصِي "وَيَسْفِك الدِّمَاء" يُرِيقهَا بِالْقَتْلِ كَمَا فَعَلَ بَنُو الْجَانّ وَكَانُوا فِيهَا فَلَمَّا أَفْسَدُوا أَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة فَطَرَدُوهُمْ إلَى الْجَزَائِر وَالْجِبَال "وَنَحْنُ نُسَبِّح" مُتَلَبِّسِينَ "بِحَمْدِك" أَيْ نَقُول سُبْحَان اللَّه "وَنُقَدِّس لَك" نُنَزِّهك عَمَّا لَا يَلِيق بِك فَاللَّام زَائِدَة وَالْجُمْلَة حَال أَيْ فَنَحْنُ أَحَقّ بِالِاسْتِخْلَافِ قَالَ تَعَالَى "إنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ" مِنْ الْمَصْلَحَة فِي اسْتِخْلَاف آدَم وَأَنَّ ذُرِّيَّته فِيهِمْ الْمُطِيع وَالْعَاصِي فَيَظْهَر الْعَدْل بَيْنهمْ فَقَالُوا لَنْ يَخْلُق رَبّنَا خَلْقًا أَكْرَم عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَم لِسَبْقِنَا لَهُ وَرُؤْيَتنَا مَا لَمْ يَرَهُ فَخَلَقَ اللَّه تَعَالَى آدَم مِنْ أَدِيم الْأَرْض أَيْ وَجْههَا بِأَنْ قَبَضَ مِنْهَا قَبْضَة مِنْ جَمِيع أَلْوَانهَا وَعُجِنَتْ بِالْمِيَاهِ الْمُخْتَلِفَة وَسَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوح فَصَارَ حَيَوَانًا حَسَّاسًا بَعْد أَنْ كَانَ جَمَادًا
يُخْبِر تَعَالَى بِامْتِنَانِهِ عَلَى بَنِي آدَم بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِهِمْ فِي الْمَلَأ الْأَعْلَى قَبْل إِيجَادهمْ فَقَالَ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَائِكَةِ" أَيْ وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمك ذَلِكَ حَكَى اِبْن جَرِير عَنْ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ إِذْ هَاهُنَا زَائِدَة وَأَنَّ تَقْدِير الْكَلَام وَقَالَ رَبّك وَرَدَّهُ اِبْن جَرِير قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَكَذَا رَدَّهُ جَمِيع الْمُفَسِّرِينَ حَتَّى قَالَ الزَّجَّاج هَذَا اِجْتِرَاءٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَة " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " أَيْ قَوْمًا يَخْلُف بَعْضهمْ بَعْضًا قَرْنًا بَعْد قَرْن وَجِيلًا بَعْد جِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى " هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف الْأَرْض " وَقَالَ " وَيَجْعَلكُمْ خُلَفَاء الْأَرْض" وَقَالَ " وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَة فِي الْأَرْض يَخْلُفُونَ " وَقَالَ " فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْفٌ " وَقُرِئَ فِي الشَّاذ " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " حَكَاهَا الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيْره وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ زَيْد بْن عَلِيّ وَلَيْسَ الْمُرَاد هَاهُنَا بِالْخَلِيفَةِ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَقَطْ كَمَا يَقُولهُ طَائِفَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَعَزَاهُ الْقُرْطُبِيّ إِلَى اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَمِيع أَهْل التَّأْوِيل وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ بَلَّ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ كَثِير حَكَاهُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره وَغَيْره وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ آدَم عَيْنًا إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا حَسُنَ قَوْل الْمَلَائِكَة " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء " فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْجِنْس مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِعِلْمٍ خَاصّ أَوْ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ الطَّبِيعَة الْبَشَرِيَّة فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَخْلُق هَذَا الصِّنْف مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون أَوْ فَهِمُوا مِنْ الْخَلِيفَة أَنَّهُ الَّذِي يَفْصِل بَيْن النَّاس مَا يَقَع بَيْنهمْ مِنْ الْمَظَالِم وَيَرْدَعهُمْ عَنْ الْمَحَارِم وَالْمَآثِم قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ أَوْ أَنَّهُمْ قَاسُوهُمْ عَلَى مَنْ سَبَقَ كَمَا سَنَذْكُرُ أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ وَقَوْل الْمَلَائِكَة هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْه الِاعْتِرَاض عَلَى اللَّه وَلَا عَلَى وَجْه الْحَسَد لِبَنِي آدَم كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمهُ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أَيْ لَا يَسْأَلُونَهُ شَيْئًا لَمْ يَأْذَن لَهُمْ فِيهِ وَهَاهُنَا لَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ فِي الْأَرْض خَلْقًا قَالَ قَتَادَة وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا فَقَالُوا " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء" الْآيَة وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَال اِسْتِعْلَام وَاسْتِكْشَاف عَنْ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ يَا رَبّنَا مَا الْحِكْمَة فِي خَلْق هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفْسِد فِي الْأَرْض وَيَسْفِك الدِّمَاء فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد عِبَادَتك فَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك أَيْ نُصَلِّي لَك كَمَا سَيَأْتِي . أَيْ وَلَا يَصْدُر مِنَّا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَلَّا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْنَا ؟ قَالَ اللَّه تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَال " إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ أَعْلَمُ مِنْ الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَة فِي خَلْق هَذَا الصِّنْف عَلَى الْمَفَاسِد الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ فَإِنِّي سَأَجْعَلُ فِيهِمْ الْأَنْبِيَاء وَأُرْسِلَ فِيهِمْ الرُّسُل وَيُوجَد مِنْهُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحُونَ وَالْعُبَّاد وَالزُّهَّاد وَالْأَوْلِيَاء وَالْأَبْرَار وَالْمُقَرَّبُونَ وَالْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ وَالْخَاشِعُونَ وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمُتَّبِعُونَ رُسُله صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ الْمَلَائِكَة إِذَا صَعِدَتْ إِلَى الرَّبّ تَعَالَى بِأَعْمَالِ عِبَاده يَسْأَلهُمْ وَهُوَ أَعْلَم كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ . وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَعَاقَبُونَ فِينَا وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الصُّبْح وَفِي صَلَاة الْعَصْر فَيَمْكُث هَؤُلَاءِ وَيَصْعَد أُولَئِكَ بِالْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " يُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْل قَبْل النَّهَار وَعَمَل النَّهَار قَبْل اللَّيْل " فَقَوْلهمْ أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ تَفْسِير قَوْله لَهُمْ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله جَوَابًا لَهُمْ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " إِنِّي لِي حِكْمَة مُفَصَّلَة فِي خَلْق هَؤُلَاءِ وَالْحَالَة مَا ذَكَرْتُمْ لَا تَعْلَمُونَهَا وَقِيلَ إِنَّهُ جَوَاب " وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك " فَقَالَ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ مِنْ وُجُود إِبْلِيس بَيْنكُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسكُمْ بِهِ . وَقِيلَ بَلْ تَضَمَّنَ قَوْلهمْ " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك " طَلَبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْض بَدَل بَنِي آدَم فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " مِنْ أَنَّ بَقَاءَكُمْ فِي السَّمَاء أَصْلَح لَكُمْ وَأَلْيَق بِكُمْ . ذَكَرَهَا الرَّازِيّ مَعَ غَيْرهَا مِنْ الْأَجْوِبَة وَاَللَّه أَعْلَم. " ذِكْرُ أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ بِبَسْطِ مَا ذَكَرْنَاهُ " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن الْحَسَن حَدَّثَنِي الْحَجَّاج عَنْ جَرِير بْن حَازِم وَمُبَارَك عَنْ الْحَسَن وَأَبِي بَكْر عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة قَالُوا : قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالَ لَهُمْ إِنِّي فَاعِل هَذَا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ السُّدِّيّ اِسْتَشَارَ الْمَلَائِكَة فِي خَلْق آدَم رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَة نَحْوه وَهَذِهِ الْعِبَارَة إِنْ لَمْ تَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْإِخْبَار فَفِيهَا تَسَاهُل وَعِبَارَة الْحَسَن وَقَتَادَة فِي رِوَايَة اِبْن جَرِير أَحْسَن وَاَللَّه أَعْلَم فِي الْأَرْض قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ مَكَّة وَأَوَّل مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْمَلَائِكَة فَقَالَ اللَّه إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة يَعْنِي مَكَّة " وَهَذَا مُرْسَل وَفِي سَنَده ضَعْف وَفِيهِ مُدْرَج وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَرْضِ مَكَّة وَاَللَّه أَعْلَم فَإِنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَرْضِ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ خَلِيفَة قَالَ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ نَاس مِنْ الصَّحَابَة إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة . قَالُوا : رَبّنَا وَمَا يَكُون ذَاكَ الْخَلِيفَة ؟ قَالَ : يَكُون لَهُ ذُرِّيَّة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا. قَالَ اِبْن جَرِير فَكَانَ تَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة مِنِّي يَخْلُفنِي فِي الْحُكْم بِالْعَدْلِ بَيْن خَلْقِي وَإِنَّ ذَلِكَ الْخَلِيفَة هُوَ آدَم وَمَنْ قَامَ مَقَامه فِي طَاعَة اللَّه وَالْحُكْم بِالْعَدْلِ بَيْن خَلْقه وَأَمَّا الْإِفْسَاد وَسَفْك الدِّمَاء بِغَيْرِ حَقّهَا فَمِنْ غَيْر خُلَفَائِهِ : قَالَ اِبْن جَرِير : وَإِنَّمَا مَعْنَى الْخِلَافَة الَّتِي ذَكَرَهَا إِنَّمَا هِيَ خِلَافَة قَرْن مِنْهُمْ قَرْنًا . قَالَ : وَالْخَلِيفَة الْفِعْلِيَّة مِنْ قَوْلِك خَلَفَ فُلَان فُلَانًا فِي هَذَا الْأَثَر إِذَا قَامَ مَقَامه فِيهِ بَعْده كَمَا قَالَ تَعَالَى " ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِف فِي الْأَرْض مِنْ بَعْدهمْ لِنَنْظُر كَيْف تَعْمَلُونَ " وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَم خَلِيفَة لِأَنَّهُ خَلَفَ الَّذِي كَانَ قَبْله فَقَامَ بِالْأَمْرِ فَكَانَ مِنْهُ خَلَفًا قَالَ : وَكَانَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " يَقُول سَاكِنًا وَعَامِرًا يَعْمُرهَا وَيَسْكُنهَا خَلَفًا لَيْسَ مِنْكُمْ : قَالَ اِبْن حَرِير : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِنَّ أَوَّل مَنْ سَكَنَ الْأَرْض الْجِنّ فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاء وَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا قَالَ فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ إِبْلِيس فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيس وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِر الْبُحُور وَأَطْرَاف الْجِبَال ثُمَّ خَلَقَ آدَم فَأَسْكَنَهُ إِيَّاهَا فَلِذَلِكَ قَالَ " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ اِبْن سَابِط " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء " قَالَ : يَعْنُونَ بِهِ بَنِي آدَم . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ : قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي أُرِيد أَنْ أَخْلُق فِي الْأَرْض خَلْقًا وَأَجْعَل فِيهَا خَلِيفَة وَلَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلْق إِلَّا الْمَلَائِكَة وَالْأَرْض وَلَيْسَ فِيهَا خَلْق . قَالُوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ السُّدِّيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّحَابَة أَنَّ اللَّه أَعْلَم الْمَلَائِكَة بِمَا تَفْعَلهُ ذُرِّيَّة آدَم فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ آنِفًا مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْجِنّ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْض قَبْل بَنِي آدَم فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة ذَلِكَ فَقَاسُوا هَؤُلَاءِ بِأُولَئِكَ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلَى بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ بُكَيْر بْن الْأَخْنَس عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : كَانَ الْجِنّ بَنُو الْجَانّ فِي الْأَرْض قَبْل أَنْ يُخْلَق آدَم بِأَلْفَيْ سَنَة فَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض وَسَفَكُوا الدِّمَاء فَبَعَثَ اللَّه جُنْدًا مِنْ الْمَلَائِكَة فَضَرَبُوهُمْ حَتَّى أُلْحِقُوا بِجَزَائِر الْبُحُور فَقَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ : " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء " قَالَ : إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة - إِلَى قَوْله - أَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ " قَالَ : خَلَقَ اللَّه الْمَلَائِكَة يَوْم الْأَرْبِعَاء وَخَلَقَ الْجِنّ يَوْم الْخَمِيس وَخَلَقَ آدَم يَوْم الْجُمْعَة فَكَفَرَ قَوْم مِنْ الْجِنّ فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة تَهْبِط إِلَيْهِمْ فِي الْأَرْض فَتُقَاتِلهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَكَانَ الْفَسَاد فِي الْأَرْض فَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا كَمَا أَفْسَدَتْ الْجِنّ وَيَسْفِك الدِّمَاء كَمَا سَفَكُوا . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَاح حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا مُبَارَك بْن فَضَالَة أَخْبَرَنَا الْحَسَن قَالَ : قَالَ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالَ لَهُمْ إِنِّي فَاعِل فَآمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَعَلَّمَهُمْ عِلْمًا وَطَوَى عَنْهُمْ عِلْمًا عَلِمَهُ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ . فَقَالُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء ؟ قَالَ إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالَ الْحَسَن إِنَّ الْجِنّ كَانُوا فِي الْأَرْض يُفْسِدُونَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فَقَالُوا بِالْقَوْلِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا " كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْض خَلِيفَة أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاء فَذَلِكَ حِين قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَام الرَّازِيّ حَدَّثَنَا اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْرُوف يَعْنِي اِبْن خَرَّبُوذ الْمَكِّيّ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ يَقُول السِّجِلّ مَلَك وَكَانَ هَارُوت وَمَارُوت مِنْ أَعْوَانه وَكَانَ لَهُ كُلّ يَوْم ثَلَاث لَمَحَات فِي أُمّ الْكِتَاب فَنَظَرَ نَظْرَة لَمْ تَكُنْ لَهُ فَأَبْصَرَ فِيهَا خَلْق آدَم وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأُمُور فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى هَارُوت وَمَارُوت وَكَانَا مِنْ أَعْوَانه فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى" إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء " قَالَا ذَلِكَ اِسْتِطَالَة عَلَى الْمَلَائِكَة . وَهَذَا أَثَر غَرِيب وَبِتَقْدِيرِ صِحَّته إِلَى أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن الْبَاقِر فَهُوَ نَقَلَهُ عَنْ أَهْل الْكِتَاب وَفِيهِ نَكَارَة تُوجِب رَدَّهُ وَاَللَّه أَعْلَم وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا اِثْنَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ خِلَاف السِّيَاق وَأَغْرَب مِنْهُ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا بِحَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَام بْن أَبِي عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُول إِنَّ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ قَالُوا " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك " كَانُوا عَشْرَة آلَاف فَخَرَجَتْ نَار مِنْ عِنْد اللَّه فَأَحْرَقَتْهُمْ وَهَذَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيّ مُنْكَر كَاَلَّذِي قَبْله وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن جُرَيْج إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا أَعْلَمَهُمْ اللَّه أَنَّهُ كَائِن مِنْ خَلْق آدَم فَقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء . قَالَ اِبْن جَرِير : وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَة مَا قَالَتْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء لِأَنَّ اللَّه أَذِنَ لَهُمْ فِي السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ بَعْد مَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِن مِنْ بَنِي آدَم فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَة فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّب مِنْهَا وَكَيْف يَعْصُونَك يَا رَبّ وَأَنْتَ خَالِقهمْ فَأَجَابَهُمْ رَبّهمْ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَائِن مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ وَمِنْ بَعْض مَا تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا. قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى وَجْه الِاسْتِرْشَاد عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَبّ خَبِّرْنَا - مَسْأَلَة اِسْتِخْبَار مِنْهُمْ لَا عَلَى وَجْه الْإِنْكَار - وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَوْله تَعَالَى" وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة" قَالَ اِسْتَشَارَ الْمَلَائِكَة فِي خَلْق آدَم فَقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء - وَقَدْ عَلِمَتْ الْمَلَائِكَة أَنَّهُ لَا شَيْء أَكْرَه عِنْد اللَّه مَنْ سَفْك الدِّمَاء وَالْفَسَاد فِي الْأَرْض - وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك . قَالَ إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ . فَكَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْخَلِيقَة أَنْبِيَاء وَرُسُل وَقَوْم صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّة قَالَ وَذُكِرَ لَنَا عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمَّا أَخَذَ فِي خَلْق آدَم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَتْ الْمَلَائِكَة مَا اللَّه خَالِق خَلْقًا أَكْرَم عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَم مِنَّا فَابْتُلُوا بِخَلْقِ آدَم وَكُلّ خَلْق مُبْتَلًى كَمَا اُبْتُلِيَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالطَّاعَةِ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " وَقَوْله تَعَالَى " وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك " . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : التَّسْبِيح التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس الصَّلَاة . وَقَالَ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ نَاس مِنْ الصَّحَابَة وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك قَالَ : يَقُولُونَ نُصَلِّي لَك. وَقَالَ مُجَاهِد : وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك . قَالَ : نُعَظِّمك وَنُكَبِّرك . فَقَالَ الضَّحَّاك : التَّقْدِيس التَّطْهِير. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك . قَالَ : لَا نَعْصِي وَلَا نَأْتِي شَيْئًا تَكْرَههُ . وَقَالَ اِبْن جَرِير : التَّقْدِيس هُوَ التَّعْظِيم وَالتَّطْهِير . وَمِنْهُ قَوْلهمْ سُبُّوح قُدُّوس يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ سُبُّوح تَنْزِيه لَهُ وَبِقَوْلِهِمْ قُدُّوس طَهَارَة وَتَعْظِيم لَهُ : وَكَذَلِكَ لِلْأَرْضِ أَرْض مُقَدَّسَة يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَة . فَمَعْنَى قَوْل الْمَلَائِكَة إِذَا " وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك " نُنَزِّهك وَنُبَرِّئك مِمَّا يُضِيفهُ إِلَيْك أَهْل الشِّرْك بِك " وَنُقَدِّس لَك " نَنْسُبك إِلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتك مِنْ الطَّهَارَة مِنْ الْأَدْنَاس وَمَا أَضَافَ إِلَيْك أَهْل الْكُفْر بِك . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيّ الْكَلَام أَفْضَل ؟ قَالَ " مَا اِصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن قُرْط أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَات الْعُلَا " سُبْحَان الْعَلِيّ الْأَعْلَى سُبْحَانه وَتَعَالَى " "قَالَ إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " قَالَ قَتَادَة فَكَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي تِلْكَ الْخَلِيقَة أَنْبِيَاء وَرُسُل وَقَوْم صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّة وَسَيَأْتِي عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَقْوَال فِي حِكْمَة قَوْله تَعَالَى قَالَ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى وُجُوب نَصْب الْخَلِيفَة لِيَفْصِل بَيْن النَّاس فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَيَقْطَع تَنَازُعهمْ وَيَنْتَصِر لِمَظْلُومِهِمْ مِنْ ظَالِمهمْ وَيُقِيم الْحُدُود وَيَزْجُر عَنْ تَعَاطِي الْفَوَاحِش إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الْمُهِمَّة الَّتِي لَا تُمْكِن إِقَامَتهَا إِلَّا بِالْإِمَامِ وَمَا لَا يَتِمّ الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب . وَالْإِمَامَة تُنَال بِالنَّصِّ كَمَا يَقُولهُ طَائِفَة مِنْ أَهْل السُّنَّة فِي أَبِي بَكْر أَوْ بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا يَقُول آخَرُونَ مِنْهُمْ أَوْ بِاسْتِخْلَافِ الْخَلِيفَة آخَر بَعْده كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيق بِعُمَر بْن الْخَطَّاب أَوْ بِتَرْكِهِ شُورَى فِي جَمَاعَة صَالِحِينَ كَذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ عُمَر أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد عَلَى مُبَايَعَته أَوْ بِمُبَايَعَتِهِ وَاحِد مِنْهُمْ لَهُ فَيَجِب اِلْتِزَامهَا عِنْد الْجُمْهُور وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْإِجْمَاع وَاَللَّه أَعْلَم . أَوْ بِقَهْرِ وَاحِد النَّاس عَلَى طَاعَته فَتَجِب لِئَلَّا يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الشِّقَاق وَالِاخْتِلَاف وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَهَلْ يَجِب الْإِشْهَاد عَلَى عَقْد الْإِمَامَة ؟ فِيهِ خِلَاف فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُشْتَرَط وَقِيلَ بَلَى وَيَكْفِي شَاهِدَانِ . وَقَالَ الْجُبَّائِيّ يَجِب أَرْبَعَة وَعَاقِد وَمَعْقُود لَهُ كَمَا تَرَكَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْأَمْر شُورَى بَيْن سِتَّة فَوَقَعَ الْأَمْر عَلَى عَاقِد وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَمَعْقُود لَهُ وَهُوَ عُثْمَان وَاسْتَنْبَطَ وُجُوب الْأَرْبَعَة الشُّهُود مِنْ الْأَرْبَعَة الْبَاقِينَ فِي هَذَا نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم . وَيَجِب أَنْ يَكُون ذَكَرًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا عَدْلًا مُجْتَهِدًا بَصِيرًا سَلِيم الْأَعْضَاء خَبِيرًا بِالْحُرُوبِ وَالْآرَاء قُرَشِيًّا عَلَى الصَّحِيح وَلَا يُشْتَرَط الْهَاشِمِيّ وَلَا الْمَعْصُوم مِنْ الْخَطَأ خِلَافًا لِلْغُلَاةِ الرَّوَافِض وَلَوْ فَسَقَ الْإِمَام هَلْ يَنْعَزِل أَمْ لَا ؟ فِيهِ خِلَاف وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَنْعَزِل لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان " وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِل نَفْسه فِيهِ خِلَاف وَقَدْ عَزَلَ الْحَسَن بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَفْسه وَسَلَّمَ الْأَمْر إِلَى مُعَاوِيَة لَكِنْ هَذَا لِعُذْرٍ وَقَدْ مُدِحَ عَلَى ذَلِكَ : فَأَمَّا نَصْب إِمَامَيْنِ فِي الْأَرْض أَوْ أَكْثَر فَلَا يَجُوز لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْركُمْ جَمِيع يُرِيد أَنْ يُفَرِّق بَيْنكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ " وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ إِمَام الْحَرَمَيْنِ . وَقَالَتْ الْكَرَّامِيَّة : يَجُوز اِثْنَيْنِ فَأَكْثَر كَمَا كَانَ عَلِيّ وَمُعَاوِيَة إِمَامَيْنِ وَاجِبَيْ الطَّاعَة . قَالُوا : وَإِذَا جَازَ بَعْث نَبِيَّيْنِ فِي وَقْت وَاحِد وَأَكْثَرَ جَازَ ذَلِكَ فِي الْإِمَامَة لِأَنَّ النُّبُوَّة أَعْلَى رُتْبَة بِلَا خِلَاف . وَحَكَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ جَوَّزَ نَصْب إِمَامَيْنِ فَأَكْثَر إِذَا تَبَاعَدَتْ الْأَقْطَار وَاتَّسَعَتْ الْأَقَالِيم بَيْنهمَا وَتَرَدَّدَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ قُلْت وَهَذَا يُشْبِه حَال الْخُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاس بِالْعِرَاقِ وَالْفَاطِمِينَ بِمِصْرَ وَالْأُمَوِيِّينَ بِالْمَغْرِبِ وَلْنُقَرِّرْ هَذَا كُلّه فِي مَوْضِع آخَر مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
فِيهِ سَبْع عَشْرَة مَسْأَلَة : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ " إِذْ وَإِذَا حَرْفَا تَوْقِيت , فَإِذْ لِلْمَاضِي , وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ , وَقَدْ تُوضَع إِحْدَاهُمَا مَوْضِع الْأُخْرَى . وَقَالَ الْمُبَرِّد : إِذَا جَاءَ " إِذْ " مَعَ مُسْتَقْبَل كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا , نَحْو قَوْله : " وَإِذْ يَمْكُر بِك " [ الْأَنْفَال : 30 ] " وَإِذْ تَقُول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ " [ الْأَحْزَاب : 37 ] مَعْنَاهُ مَكَرُوا , وَإِذْ قُلْت . وَإِذَا جَاءَ " إِذَا " مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبِلًا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّة " [ النَّازِعَات : 34 ] " فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّة " [ عَبَسَ : 33 ] وَ " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه " [ النَّصْر : 1 ] أَيْ يَجِيء . وَقَالَ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَبُو عُبَيْدَة : " إِذْ " زَائِدَة , وَالتَّقْدِير : وَقَالَ رَبّك , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : فَإِذْ وَذَلِكَ لَا مَهَاة لِذِكْرِهِ وَالدَّهْر يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْل الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس وَجَمِيع الْمُفَسِّرِينَ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ " إِذْ " اِسْم وَهِيَ ظَرْف زَمَان لَيْسَ مِمَّا تُزَاد . وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا اِجْتِرَام مِنْ أَبِي عُبَيْدَة , ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلْق النَّاس وَغَيْرهمْ , فَالتَّقْدِير وَابْتَدَأَ خَلْقكُمْ إِذْ قَالَ , فَكَانَ هَذَا مِنْ الْمَحْذُوف الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام , كَمَا قَالَ : فَإِنَّ الْمَنِيَّة مَنْ يَخْشَهَا فَسَوْفَ تُصَادِفهُ أَيْنَمَا يُرِيد أَيْنَمَا ذَهَبَ . وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ مُقَدَّر تَقْدِيره وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ . وَقِيلَ : هُوَ مَرْدُود إِلَى قَوْله تَعَالَى : " اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 21 ] فَالْمَعْنَى الَّذِي خَلَقَكُمْ إِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ . وَقَوْل اللَّه تَعَالَى وَخِطَابه لِلْمَلَائِكَةِ مُتَقَرِّر قَدِيم فِي الْأَزَل بِشَرْطِ وَجُودهمْ وَفَهْمهمْ . وَهَكَذَا الْبَاب كُلّه فِي أَوَامِر اللَّه تَعَالَى وَنَوَاهِيه وَمُخَاطَبَاته . وَهَذَا مَذْهَب الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ الَّذِي اِرْتَضَاهُ أَبُو الْمَعَالِي . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَات اللَّه الْعُلَى . وَالرَّبّ : الْمَالِك وَالسَّيِّد وَالْمُصْلِح وَالْجَابِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه . الثَّانِيَة : قَوْله تَعَالَى " لِلْمَلَائِكَةِ " الْمَلَائِكَة وَاحِدهَا مَلَك . قَالَ اِبْن كَيْسَان وَغَيْره : وَزْن مَلَك فَعَل مِنْ الْمُلْك . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة , هُوَ مَفْعَل مِنْ لَأَكَ إِذَا أُرْسِلَ . وَالْأَلُوكَة وَالْمَأْلَكَة وَالْمَأْلُكَة : الرِّسَالَة , قَالَ لَبِيد : وَغُلَام أَرْسَلَتْهُ أُمّه بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ وَقَالَ آخَر : أَبْلِغْ النُّعْمَان عَنِّي مَأْلُكًا إِنَّنِي قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي وَيُقَال : أَلِكْنِي أَيْ أَرْسِلْنِي , فَأَصْله عَلَى هَذَا مَأْلَك , الْهَمْزَة فَاء الْفِعْل فَإِنَّهُمْ قَلَبُوهَا إِلَى عَيْنه فَقَالُوا : مَلْأَك , ثُمَّ سَهَّلُوهُ فَقَالُوا مَلَك . وَقِيلَ أَصْله مَلْأَك مِنْ مَلَكَ يَمْلِك , نَحْو شَمْأَل مِنْ شَمَلَ , فَالْهَمْزَة زَائِدَة عَنْ اِبْن كَيْسَان أَيْضًا , وَقَدْ تَأْتِي فِي الشِّعْر عَلَى الْأَصْل , قَالَ الشَّاعِر : فَلَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ تَنْزِل مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل . لَا اِشْتِقَاق لِلْمَلَكِ عِنْد الْعَرَب . وَالْهَاء فِي الْمَلَائِكَة تَأْكِيد لِتَأْنِيثِ الْجَمْع , وَمِثْله الصَّلَادِمَة . وَالصَّلَادِم : الْخَيْل الشِّدَاد , وَاحِدهَا صِلْدِم . وَقِيلَ : هِيَ لِلْمُبَالَغَةِ , كَعَلَّامَةٍ وَنَسَّابَة . وَقَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي : خَاطَبَ اللَّه الْمَلَائِكَة لَا لِلْمَشُورَةِ وَلَكِنْ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِمْ مِنْ رُؤْيَة الْحَرَكَات وَالْعِبَادَة وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس , ثُمَّ رَدَّهُمْ إِلَى قِيمَتهمْ , فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " اُسْجُدُوا لِآدَم " [ الْبَقَرَة : 34 ] . الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " " جَاعِل " هُنَا بِمَعْنَى خَالِق , ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي رَوْق , وَيَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيهَا إِلَى مَفْعُول وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْأَرْض قِيلَ إِنَّهَا مَكَّة . رَوَى اِبْن سَابِط عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ مَكَّة ) وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أُمّ الْقُرَى , قَالَ : وَقَبْر نُوح وَهُود وَصَالِح وَشُعَيْب بَيْن زَمْزَم وَالرُّكْن وَالْمَقَام . وَ " خَلِيفَة " يَكُون بِمَعْنَى فَاعِل , أَيْ يَخْلُف مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض , أَوْ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ غَيْر الْمَلَائِكَة عَلَى مَا رُوِيَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " خَلِيفَة " بِمَعْنَى مَفْعُول أَيْ مُخْلَف , كَمَا يُقَال : ذَبِيحَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة . وَالْخَلَف ( بِالتَّحْرِيكِ ) مِنْ الصَّالِحِينَ , وَبِتَسْكِينِهَا مِنْ الطَّالِحِينَ , هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف , وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي " الْأَعْرَاف " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَ " خَلِيفَة " بِالْفَاءِ قِرَاءَة الْجَمَاعَة , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْد بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ قَرَأَ " خَلِيقَة " بِالْقَافِ . وَالْمَعْنِيّ بِالْخَلِيفَةِ هُنَا - فِي قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَمِيع أَهْل التَّأْوِيل - آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُوَ خَلِيفَة اللَّه فِي إِمْضَاء أَحْكَامه وَأَوَامِره ; لِأَنَّهُ أَوَّل رَسُول إِلَى الْأَرْض , كَمَا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ , قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَنَبِيًّا كَانَ مُرْسَلًا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) الْحَدِيث وَيُقَال : لِمَنْ كَانَ رَسُولًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض أَحَد ؟ فَيُقَال : كَانَ رَسُولًا إِلَى وَلَده , وَكَانُوا أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا فِي كُلّ بَطْن ذَكَر وَأُنْثَى , وَتَوَالَدُوا حَتَّى كَثُرُوا , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء " [ النِّسَاء : 1 ] . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيم الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير . وَعَاشَ تِسْعمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَة , هَكَذَا ذَكَرَ أَهْل التَّوْرَاة وَرُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ عَاشَ أَلْف سَنَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الرَّابِعَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي نَصْب إِمَام وَخَلِيفَة يُسْمَع لَهُ وَيُطَاع , لِتَجْتَمِع بِهِ الْكَلِمَة , وَتَنْفُذ بِهِ أَحْكَام الْخَلِيفَة . وَلَا خِلَاف فِي وُجُوب ذَلِكَ بَيْن الْأُمَّة وَلَا بَيْن الْأَئِمَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْأَصَمّ حَيْثُ كَانَ عَنْ الشَّرِيعَة أَصَمّ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى رَأْيه وَمَذْهَبه , قَالَ : إِنَّهَا غَيْر وَاجِبَة فِي الدِّين بَلْ يَسُوغ ذَلِكَ , وَأَنَّ الْأُمَّة مَتَى أَقَامُوا حُجَجهُمْ وَجِهَادهمْ , وَتَنَاصَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ , وَبَذَلُوا الْحَقّ مِنْ أَنْفُسهمْ , وَقَسَمُوا الْغَنَائِم وَالْفَيْء وَالصَّدَقَات عَلَى أَهْلهَا , وَأَقَامُوا الْحُدُود عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ , أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ , وَلَا يَجِب عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ . وَدَلِيلنَا قَوْل اللَّه تَعَالَى : " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " [ الْبَقَرَة : 30 ] , وَقَوْله تَعَالَى : " يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض " [ ص : 26 ] , وَقَالَ : " وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض " [ النُّور : 55 ] أَيْ يَجْعَل مِنْهُمْ خُلَفَاء , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآي . وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَة عَلَى تَقْدِيم الصِّدِّيق بَعْد اِخْتِلَاف وَقَعَ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة فِي التَّعْيِين , حَتَّى قَالَتْ الْأَنْصَار : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَدَفَعَهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَالْمُهَاجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا لَهُمْ : إِنَّ الْعَرَب لَا تَدِين إِلَّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش , وَرَوَوْا لَهُمْ الْخَبَر فِي ذَلِكَ , فَرَجَعُوا وَأَطَاعُوا لِقُرَيْشٍ . فَلَوْ كَانَ فَرْض الْإِمَام غَيْر وَاجِب لَا فِي قُرَيْش وَلَا فِي غَيْرهمْ لَمَا سَاغَتْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَة وَالْمُحَاوَرَة عَلَيْهَا , وَلَقَالَ قَائِل : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَا فِي قُرَيْش وَلَا فِي غَيْرهمْ , فَمَا لِتَنَازُعِكُمْ وَجْه وَلَا فَائِدَة فِي أَمْر لَيْسَ بِوَاجِبٍ ثُمَّ إِنَّ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة عَهِدَ إِلَى عُمَر فِي الْإِمَامَة , وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَحَد هَذَا أَمْر غَيْر وَاجِب عَلَيْنَا وَلَا عَلَيْك , فَدَلَّ عَلَى وُجُوبهَا وَأَنَّهَا رُكْن مِنْ أَرْكَان الدِّين الَّذِي بِهِ قِوَام الْمُسْلِمِينَ , وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَتْ الرَّافِضَة : يَجِب نَصْبه عَقْلًا , وَإِنَّ السَّمْع إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى جِهَة التَّأْكِيد لِقَضِيَّةِ الْعَقْل , فَأَمَّا مَعْرِفَة الْإِمَام فَإِنَّ ذَلِكَ مُدْرَك مِنْ جِهَة السَّمْع دُون الْعَقْل . وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّ الْعَقْل لَا يُوجِب وَلَا يَحْظُر وَلَا يُقَبِّح وَلَا يُحَسِّن , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهَا وَاجِبَة مِنْ جِهَة الشَّرْع لَا مِنْ جِهَة الْعَقْل , وَهَذَا وَاضِح . فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْخَامِسَة : إِذَا سَلِمَ أَنَّ طَرِيق وُجُوب الْإِمَامَة السَّمْع , فَخَبِّرُونَا هَلْ يَجِب مِنْ جِهَة السَّمْع بِالنَّصِّ عَلَى الْإِمَام مِنْ جِهَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمْ مِنْ جِهَة اِخْتِيَار أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لَهُ , أَمْ بِكَمَالِ خِصَال الْأَئِمَّة فِيهِ , وَدُعَاؤُهُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسه كَافٍ فِيهِ ؟ . فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا الْبَاب , فَذَهَبَتْ الْإِمَامِيَّة وَغَيْرهَا إِلَى أَنَّ الطَّرِيق الَّذِي يُعْرَف بِهِ الْإِمَام هُوَ النَّصّ مِنْ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا مَدْخَل لِلِاخْتِيَارِ فِيهِ . وَعِنْدنَا : النَّظَر طَرِيق إِلَى مَعْرِفَة الْإِمَام , وَإِجْمَاع أَهْل الِاجْتِهَاد طَرِيق أَيْضًا إِلَيْهِ , وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَا طَرِيق إِلَيْهِ إِلَّا النَّصّ بَنَوْهُ عَلَى أَصْلهمْ أَنَّ الْقِيَاس وَالرَّأْي وَالِاجْتِهَاد بَاطِل لَا يُعْرَف بِهِ شَيْء أَصْلًا , وَأَبْطَلُوا الْقِيَاس أَصْلًا وَفَرْعًا . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاث فِرَق : فِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى أَبِي بَكْر , وَفِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى الْعَبَّاس , وَفِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَالدَّلِيل عَلَى فَقْد النَّصّ وَعَدَمه عَلَى إِمَام بِعَيْنِهِ هُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ فَرَضَ عَلَى الْأُمَّة طَاعَة إِمَام بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَجُوز الْعُدُول عَنْهُ إِلَى غَيْره لَعُلِمَ ذَلِكَ , لِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيف الْأُمَّة بِأَسْرِهَا طَاعَة اللَّه فِي غَيْر مُعَيَّن , وَلَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى الْعِلْم بِذَلِكَ التَّكْلِيف , وَإِذَا وَجَبَ الْعِلْم بِهِ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ الْعِلْم مِنْ أَنْ يَكُون طَرِيقه أَدِلَّة الْعُقُول أَوْ الْخَبَر , وَلَيْسَ فِي الْعَقْل مَا يَدُلّ عَلَى ثُبُوت الْإِمَامَة لِشَخْصٍ مُعَيَّن , وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يُوجِب الْعِلْم بِثُبُوتِ إِمَام مُعَيَّن ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَر إِمَّا أَنْ يَكُون تَوَاتُرًا أَوْجَبَ الْعِلْم ضَرُورَة أَوْ اِسْتِدْلَالًا , أَوْ يَكُون مِنْ أَخْبَار الْآحَاد , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون طَرِيقه التَّوَاتُر الْمُوجِب لِلْعِلْمِ ضَرُورَة أَوْ دَلَالَة , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ كُلّ مُكَلَّف يَجِد مِنْ نَفْسه الْعِلْم بِوُجُوبِ الطَّاعَة لِذَلِكَ الْمُعَيَّن وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دِين اللَّه عَلَيْهِ , كَمَا أَنَّ كُلّ مُكَلَّف عَلِمَ أَنَّ مِنْ دِين اللَّه الْوَاجِب عَلَيْهِ خَمْس صَلَوَات , وَصَوْم رَمَضَان , وَحَجّ الْبَيْت وَنَحْوهَا , وَلَا أَحَد يَعْلَم ذَلِكَ مِنْ نَفْسه ضَرُورَة , فَبَطَلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى , وَبَطَلَ أَنْ يَكُون مَعْلُومًا بِأَخْبَارِ الْآحَاد لِاسْتِحَالَةِ وُقُوع الْعِلْم بِهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْمَصِير إِلَى نَقْل النَّصّ عَلَى الْإِمَام بِأَيِّ وَجْه كَانَ , وَجَبَ إِثْبَات إِمَامَة أَبِي بَكْر وَالْعَبَّاس ; لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا قَوْمًا يَنْقُلُونَ النَّصّ صَرِيحًا فِي إِمَامَته , وَإِذَا بَطَلَ إِثْبَات الثَّلَاثَة بِالنَّصِّ فِي وَقْت وَاحِد - عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه - كَذَلِكَ الْوَاحِد ; إِذْ لَيْسَ أَحَد الْفِرَق أَوْلَى بِالنَّصِّ مِنْ الْآخَر . وَإِذَا بَطَلَ ثُبُوت النَّصّ لِعَدَمِ الطَّرِيق الْمُوصِل إِلَيْهِ ثَبَتَ الِاخْتِيَار وَالِاجْتِهَاد . فَإِنْ تَعَسَّفَ مُتَعَسِّف وَادَّعَى التَّوَاتُر وَالْعِلْم الضَّرُورِيّ بِالنَّصِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَابَلُوا عَلَى الْفَوْر بِنَقِيضِ دَعْوَاهُمْ فِي النَّصّ عَلَى أَبِي بَكْر وَبِأَخْبَارٍ فِي ذَلِكَ كَثِيرَة تَقُوم أَيْضًا فِي جُمْلَتهَا مَقَام النَّصّ , ثُمَّ لَا شَكّ فِي تَصْمِيم مَنْ عَدَا الْإِمَامِيَّة عَلَى نَفْي النَّصّ , وَهُمْ الْخَلْق الْكَثِير وَالْجَمّ الْغَفِير . وَالْعِلْم الضَّرُورِيّ لَا يَجْتَمِع عَلَى نَفْيه مَنْ يَنْحَطّ عَنْ مِعْشَار أَعْدَاد مُخَالِفِي الْإِمَامِيَّة , وَلَوْ جَازَ رَدّ الضَّرُورِيّ فِي ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُنْكِر طَائِفَة بَغْدَاد وَالصِّين الْأَقْصَى وَغَيْرهمَا . السَّادِسَة : فِي رَدّ الْأَحَادِيث الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا الْإِمَامِيَّة فِي النَّصّ عَلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَأَنَّ الْأُمَّة كَفَرَتْ بِهَذَا النَّصّ وَارْتَدَّتْ , وَخَالَفَتْ أَمْر الرَّسُول عِنَادًا , مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ ) . قَالُوا : وَالْمَوْلَى فِي اللُّغَة بِمَعْنَى أَوْلَى , فَلَمَّا قَالَ : ( فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) بِفَاءِ التَّعْقِيب عُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " مَوْلَى " أَنَّهُ أَحَقّ وَأَوْلَى . فَوَجَبَ أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِمَامَة وَأَنَّهُ مُفْتَرِض الطَّاعَة , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِعَلِيٍّ : ( أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي ) . قَالُوا : وَمَنْزِلَة هَارُون مَعْرُوفَة , وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ فِي النُّبُوَّة وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ , وَكَانَ أَخًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ , وَكَانَ خَلِيفَة , فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْخِلَافَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره فِي هَذَا الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالْجَوَاب عَنْ الْحَدِيث الْأَوَّل : أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّته , وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ , وَاسْتَدَلَّا عَلَى بُطْلَانه بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مُزَيْنَة وَجُهَيْنَة وَغِفَار وَأَسْلَم مَوَالِي دُون النَّاس كُلّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُون اللَّه وَرَسُوله ) . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ قَدْ قَالَ : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) لَكَانَ أَحَد الْخَبَرَيْنِ كَذِبًا . جَوَاب ثَانٍ : وَهُوَ أَنَّ الْخَبَر وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا رَوَاهُ ثِقَة عَنْ ثِقَة فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى إِمَامَته , وَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى فَضِيلَته , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى بِمَعْنَى الْوَلِيّ , فَيَكُون مَعْنَى الْخَبَر : مَنْ كُنْت وَلِيّه فَعَلِيّ وَلِيّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَإِنَّ اللَّه هُوَ مَوْلَاهُ " [ التَّحْرِيم : 4 ] أَيْ وَلِيّه . وَكَانَ الْمَقْصُود مِنْ الْخَبَر أَنْ يَعْلَم النَّاس أَنَّ ظَاهِر عَلِيّ كَبَاطِنِهِ , وَذَلِكَ فَضِيلَة عَظِيمَة لِعَلِيٍّ . جَوَاب ثَالِث : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَر وَرَدَ عَلَى سَبَب , وَذَلِكَ أَنَّ أُسَامَة وَعَلِيًّا اِخْتَصَمَا , فَقَالَ عَلِيّ لِأُسَامَة : أَنْتَ مَوْلَايَ . فَقَالَ : لَسْت مَوْلَاك , بَلْ أَنَا مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) . جَوَاب رَابِع : وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّة الْإِفْك فِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : النِّسَاء سِوَاهَا كَثِير . شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا , فَوَجَدَ أَهْل النِّفَاق مَجَالًا فَطَعَنُوا عَلَيْهِ وَأَظْهَرُوا الْبَرَاءَة مِنْهُ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَقَال رَدًّا لِقَوْلِهِمْ , وَتَكْذِيبًا لَهُمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَة مِنْهُ وَالطَّعْن فِيهِ , وَلِهَذَا مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ قَالُوا : مَا كُنَّا نَعْرِف الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِبُغْضِهِمْ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام . وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّانِي فَلَا خِلَاف أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى الْخِلَافَة بَعْده , وَلَا خِلَاف أَنَّ هَارُون مَاتَ قَبْل مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام - عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ بَيَان وَفَاتَيْهِمَا فِي سُورَة " الْمَائِدَة " - وَمَا كَانَ خَلِيفَة بَعْده وَإِنَّمَا كَانَ الْخَلِيفَة يُوشَع بْن نُون , فَلَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) الْخِلَافَة لَقَالَ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ يُوشَع مِنْ مُوسَى , فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ هَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذَا , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنِّي اِسْتَخْلَفْتُك عَلَى أَهْلِي فِي حَيَاتِي وَغَيْبُوبَتِي عَنْ أَهْلِي , كَمَا كَانَ هَارُون خَلِيفَة مُوسَى عَلَى قَوْمه لَمَّا خَرَجَ إِلَى مُنَاجَاة رَبّه . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث خَرَجَ عَلَى سَبَب , وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَة تَبُوك اِسْتَخْلَفَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْمَدِينَة عَلَى أَهْله وَقَوْمه , فَأَرْجَفَ بِهِ أَهْل النِّفَاق وَقَالُوا : إِنَّمَا خَلَّفَهُ بُغْضًا وَقِلًى لَهُ , فَخَرَجَ عَلِيّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ : ( كَذَبُوا بَلْ خَلَّفْتُك كَمَا خَلَّفَ مُوسَى هَارُون ) . وَقَالَ : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِخْلَاف عَلَى زَعْمهمْ فَقَدْ شَارَكَ عَلِيًّا فِي هَذِهِ الْفَضِيلَة غَيْره ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ فِي كُلّ غَزَاة غَزَاهَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه , مِنْهُمْ : اِبْن أُمّ مَكْتُوم , وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَصْحَابه , عَلَى أَنَّ مَدَار هَذَا الْخَبَر عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَهُوَ خَبَر وَاحِد . وَرُوِيَ فِي مُقَابَلَته لِأَبِي بَكْر وَعُمَر مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْفَذَ مُعَاذ بْن جَبَل إِلَى الْيَمَن قِيلَ لَهُ : أَلَا تُنْفِذ أَبَا بَكْر وَعُمَر ؟ فَقَالَ : ( إِنَّهُمَا لَا غِنَى بِي عَنْهُمَا إِنَّ مَنْزِلَتهمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْع وَالْبَصَر مِنْ الرَّأْس ) . وَقَالَ : ( هُمَا وَزِيرَايَ فِي أَهْل الْأَرْض ) . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَبُو بَكْر وَعُمْر بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) . وَهَذَا الْخَبَر وَرَدَ اِبْتِدَاء , وَخَبَر عَلِيّ وَرَدَ عَلَى سَبَب , فَوَجَبَ أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِمَامَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم . السَّابِعَة : وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَكُون بِهِ الْإِمَام إِمَامًا وَذَلِكَ فِي ثَلَاث طُرُق , أَحَدهَا : النَّصّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَاف فِيهِ , وَقَالَ بِهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَة وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَبَكْر اِبْن أُخْت عَبْد الْوَاحِد وَأَصْحَابه وَطَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْر بِالْإِشَارَةِ , وَأَبُو بَكْر عَلَى عُمَر . فَإِذَا نَصَّ الْمُسْتَخْلِف عَلَى وَاحِد مُعَيَّن كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيق , أَوْ عَلَى جَمَاعَة كَمَا فَعَلَ عُمَر , وَهُوَ الطَّرِيق الثَّانِي , وَيَكُون التَّخْيِير إِلَيْهِمْ فِي تَعْيِين وَاحِد مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي تَعْيِين عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . الطَّرِيق الثَّالِث : إِجْمَاع أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد , وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَة فِي مِصْر مِنْ أَمْصَار الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ إِمَامهمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَام وَلَا اِسْتَخْلَفَ فَأَقَامَ أَهْل ذَلِكَ الْمِصْر الَّذِي هُوَ حَضْرَة الْإِمَام وَمَوْضِعه إِمَامًا لِأَنْفُسِهِمْ اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضَوْهُ فَإِنَّ كُلّ مَنْ خَلْفَهُمْ وَأَمَامهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآفَاق يَلْزَمهُمْ الدُّخُول فِي طَاعَة ذَلِكَ الْإِمَام , إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ وَالْفَسَاد ; لِأَنَّهَا دَعْوَة مُحِيطَة بِهِمْ تَجِب إِجَابَتهَا وَلَا يَسَع أَحَد التَّخَلُّف عَنْهَا لِمَا فِي إِقَامَة إِمَامَيْنِ مِنْ اِخْتِلَاف الْكَلِمَة وَفَسَاد ذَات الْبَيْن , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث لَا يَغِلّ عَلَيْهِنَّ قَلْب مُؤْمِن إِخْلَاص الْعَمَل لِلَّهِ وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَمُنَاصَحَة وُلَاة الْأَمْر فَإِنَّ دَعْوَة الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطَة ) . الثَّامِنَة : فَإِنْ عَقَدَهَا وَاحِد مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد فَذَلِكَ ثَابِت وَيَلْزَم الْغَيْر فِعْله , خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاس حَيْثُ قَالَ : لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد , وَدَلِيلنَا أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَقَدَ الْبَيْعَة لِأَبِي بَكْر وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ الصَّحَابَة ذَلِكَ , وَلِأَنَّهُ عَقَدَ فَوَجَبَ أَلَّا يُفْتَقَر إِلَى عَدَد يَعْقِدُونَهُ كَسَائِرِ الْعُقُود . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي : مَنْ اِنْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَة بِعَقْدٍ وَاحِد فَقَدْ لَزِمَتْ , وَلَا يَجُوز خَلْعه مِنْ غَيْر حَدَث وَتَغَيُّر أَمْر , قَالَ : وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . التَّاسِعَة : فَإِنْ تَغَلَّبَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّة الْإِمَامَة وَأَخَذَهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة فَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَكُون طَرِيقًا رَابِعًا , وَقَدْ سُئِلَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : مَا يَجِب عَلَيْنَا لِمَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادنَا وَهُوَ إِمَام ؟ قَالَ : تُجِيبهُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا يُطَالِبك مِنْ حَقّه , وَلَا تُنْكِر فِعَاله وَلَا تَفِرّ مِنْهُ وَإِذَا اِئْتَمَنَك عَلَى سِرّ مِنْ أَمْر الدِّين لَمْ تُفْشِهِ . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلَوْ وَثَبَ عَلَى الْأَمْر مَنْ يَصْلُح لَهُ مِنْ غَيْر مَشُورَة وَلَا اِخْتِيَار وَبَايَعَ لَهُ النَّاس تَمَّتْ لَهُ الْبَيْعَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الْعَاشِرَة : وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَة عَلَى عَقْد الْإِمَامَة , فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّهُ لَا يُفْتَقَر إِلَى الشُّهُود ; لِأَنَّ الشَّهَادَة لَا تَثْبُت إِلَّا بِسَمْعٍ قَاطِع , وَلَيْسَ هَا هُنَا سَمْع قَاطِع يَدُلّ عَلَى إِثْبَات الشَّهَادَة . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُفْتَقَر إِلَى شُهُود , فَمَنْ قَالَ بِهَذَا اِحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ : لَوْ لَمْ تُعْقَد فِيهِ الشَّهَادَة أَدَّى إِلَى أَنْ يَدَّعِي كُلّ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَقَدَ لَهُ سِرًّا , وَتُؤَدِّي إِلَى الْهَرَج وَالْفِتْنَة , فَوَجَبَ أَنْ تَكُون الشَّهَادَة مُعْتَبَرَة وَيَكْفِي فِيهَا شَاهِدَانِ , خِلَافًا لِلْجُبَّائِيّ حَيْثُ قَالَ بِاعْتِبَارِ أَرْبَعَة شُهُود وَعَاقِد وَمَعْقُود لَهُ ; لِأَنَّ عُمَر حَيْثُ جَعَلَهَا شُورَى فِي سِتَّة دَلَّ عَلَى ذَلِكَ . وَدَلِيلنَا أَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْننَا وَبَيْنه أَنَّ شَهَادَة الِاثْنَيْنِ مُعْتَبَرَة , وَمَا زَادَ مُخْتَلَف فِيهِ وَلَمْ يَدُلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل فَيَجِب أَلَّا يُعْتَبَر . الْحَادِيَة عَشْرَة : فِي شَرَائِط الْإِمَام , وَهِيَ أَحَد عَشَر : الْأَوَّل : أَنْ يَكُون مِنْ صَمِيم قُرَيْش , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش ) . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الثَّانِي : أَنْ يَكُون مِمَّنْ يَصْلُح أَنْ يَكُون قَاضِيًا مِنْ قُضَاة الْمُسْلِمِينَ مُجْتَهِدًا لَا يَحْتَاج إِلَى غَيْره فِي الِاسْتِفْتَاء فِي الْحَوَادِث , وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ . الثَّالِث : أَنْ يَكُون ذَا خِبْرَة وَرَأْي حَصِيف بِأَمْرِ الْحَرْب وَتَدْبِير الْجُيُوش وَسَدّ الثُّغُور وَحِمَايَة الْبَيْضَة وَرَدْع الْأُمَّة وَالِانْتِقَام مِنْ الظَّالِم وَالْأَخْذ لِلْمَظْلُومِ . الرَّابِع : أَنْ يَكُون مِمَّنْ لَا تَلْحَقهُ رِقَّة فِي إِقَامَة الْحُدُود وَلَا فَزَع مِنْ ضَرْب الرِّقَاب وَلَا قَطْع الْأَبْشَار وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا كُلّه إِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْنهمْ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ كُلّه مُجْتَمِعًا فِيهِ , وَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُوَلِّي الْقُضَاة وَالْحُكَّام , وَلَهُ أَنْ يُبَاشِر الْفَصْل وَالْحُكْم , وَيَتَفَحَّص أُمُور خُلَفَائِهِ وَقُضَاته , وَلَنْ يَصْلُح لِذَلِكَ كُلّه إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ كُلّه قَيِّمًا بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . الْخَامِس : أَنْ يَكُون حُرًّا , وَلَا خَفَاء بِاشْتِرَاطِ حُرِّيَّة الْإِمَام وَإِسْلَامه وَهُوَ السَّادِس . السَّابِع : أَنْ يَكُون ذَكَرًا , سَلِيم الْأَعْضَاء وَهُوَ الثَّامِن . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَا يَجُوز أَنْ تَكُون إِمَامًا وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز كَوْنهَا قَاضِيَة فِيمَا تَجُوز شَهَادَتهَا فِيهِ . التَّاسِع وَالْعَاشِر : أَنْ يَكُون بَالِغًا عَاقِلًا , وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ . الْحَادِي عَشَر : أَنْ يَكُون عَدْلًا ; لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْأُمَّة أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ تُعْقَد الْإِمَامَة لِفَاسِقٍ , وَيَجِب أَنْ يَكُون مِنْ أَفْضَلهمْ فِي الْعِلْم , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَئِمَّتكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ فَانْظُرُوا بِمَنْ تَسْتَشْفِعُونَ ) . وَفِي التَّنْزِيل فِي وَصْف طَالُوت : " إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَة فِي الْعِلْم وَالْجِسْم " [ الْبَقَرَة : 247 ] فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلّ عَلَى الْقُوَّة وَسَلَامَة الْأَعْضَاء . وَقَوْله : " اِصْطَفَاهُ " مَعْنَاهُ اِخْتَارَهُ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى شَرْط النَّسَب . وَلَيْسَ مِنْ شَرْطه أَنْ يَكُون مَعْصُومًا مِنْ الزَّلَل وَالْخَطَأ , وَلَا عَالِمًا بِالْغَيْبِ , وَلَا أَفَرَس الْأُمَّة وَلَا أَشْجَعهمْ , وَلَا أَنْ يَكُون مِنْ بَنِي هَاشِم فَقَطْ دُون غَيْرهمْ مِنْ قُرَيْش , فَإِنَّ الْإِجْمَاع قَدْ اِنْعَقَدَ عَلَى إِمَامَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَلَيْسُوا مِنْ بَنِي هَاشِم . الثَّانِيَة عَشْرَة : يَجُوز نَصْب الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْفَاضِل خَوْف الْفِتْنَة وَأَلَّا يَسْتَقِيم أَمْر الْأُمَّة , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا نُصِبَ لِدَفْعِ الْعَدُوّ وَحِمَايَة الْبَيْضَة وَسَدّ الْخَلَل وَاسْتِخْرَاج الْحُقُوق وَإِقَامَة الْحُدُود وَجِبَايَة الْأَمْوَال لِبَيْتِ الْمَال وَقِسْمَتهَا عَلَى أَهْلهَا . فَإِذَا خِيفَ بِإِقَامَةِ الْأَفْضَل الْهَرَج وَالْفَسَاد وَتَعْطِيل الْأُمُور الَّتِي لِأَجْلِهَا يُنَصَّب الْإِمَام كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا ظَاهِرًا فِي الْعُدُول عَنْ الْفَاضِل إِلَى الْمَفْضُول , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا عِلْم عُمَر وَسَائِر الْأُمَّة وَقْت الشُّورَى بِأَنَّ السِّتَّة فِيهِمْ فَاضِل وَمَفْضُول , وَقَدْ أَجَازَ الْعَقْد لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ إِذَا أَدَّى الْمَصْلَحَة إِلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتهمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر إِنْكَار أَحَد عَلَيْهِمْ , وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّالِثَة عَشْرَة : الْإِمَام إِذَا نُصِّبَ ثُمَّ فَسَقَ بَعْد اِنْبِرَام الْعَقْد فَقَالَ الْجُمْهُور : إِنَّهُ تَنْفَسِخ إِمَامَته وَيُخْلَع بِالْفِسْقِ الظَّاهِر الْمَعْلُوم , لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا يُقَام لِإِقَامَةِ الْحُدُود وَاسْتِيفَاء الْحُقُوق وَحِفْظ أَمْوَال الْأَيْتَام وَالْمَجَانِين وَالنَّظَر فِي أُمُورهمْ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْره , وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِسْق يُقْعِدهُ عَنْ الْقِيَام بِهَذِهِ الْأُمُور وَالنُّهُوض بِهَا . فَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُون فَاسِقًا أَدَّى إِلَى إِبْطَال مَا أُقِيمَ لِأَجْلِهِ , أَلَا تَرَى فِي الِابْتِدَاء إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْقَد لِلْفَاسِقِ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال مَا أُقِيمَ لَهُ , وَكَذَلِكَ هَذَا مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَنْخَلِع إِلَّا بِالْكُفْرِ أَوْ بِتَرْكِ إِقَامَة الصَّلَاة أَوْ التَّرْك إِلَى دُعَائِهَا أَوْ شَيْء مِنْ الشَّرِيعَة , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث عُبَادَة : ( وَأَلَّا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله قَالَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان ) . وَفِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك : ( لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاة ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم . وَعَنْ أُمّ سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّهُ يُسْتَعْمَل عَلَيْكُمْ أُمَرَاء فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ - قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : - لَا مَا صَلَّوْا ) . أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ . أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِم . الرَّابِعَة عَشْرَة : وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَخْلَع نَفْسه إِذَا وَجَدَ فِي نَفْسه نَقْصًا يُؤَثِّر فِي الْإِمَامَة . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجِد نَقْصًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِل نَفْسه وَيَعْقِد لِغَيْرِهِ ؟ اِخْتَلَفَ النَّاس فِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ وَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَنْخَلِع إِمَامَته . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ . وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْإِمَام إِذَا عَزَلَ نَفْسه اِنْعَزَلَ قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي . وَقَوْل الصَّحَابَة : لَا نُقِيلك وَلَا نَسْتَقِيلك , قَدَّمَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا فَمَنْ ذَا يُؤَخِّرك رَضِيَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا فَلَا نَرْضَاك فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ لَأَنْكَرَتْ الصَّحَابَة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَقَالَتْ لَهُ : لَيْسَ لَك أَنْ تَقُول هَذَا , وَلَيْسَ لَك أَنْ تَفْعَلهُ . فَلَمَّا أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَة عَلَى ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , وَلِأَنَّ الْإِمَام نَاظِر لِلْغَيْبِ فَيَجِب أَنْ يَكُون حُكْمه حُكْم الْحَاكِم , وَالْوَكِيل إِذَا عَزَلَ نَفْسه . فَإِنَّ الْإِمَام هُوَ وَكِيل الْأُمَّة وَنَائِب عَنْهَا , وَلَمَّا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل وَالْحَاكِم وَجَمِيع مَنْ نَابَ عَنْ غَيْره فِي شَيْء لَهُ أَنْ يَعْزِل نَفْسه , وَكَذَلِكَ الْإِمَام يَجِب أَنْ يَكُون مِثْله . وَاَللَّه أَعْلَم . الْخَامِسَة عَشْرَة : إِذَا اِنْعَقَدَتْ الْإِمَامَة بِاتِّفَاقِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد أَوْ بِوَاحِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَجَبَ عَلَى النَّاس كَافَّة مُبَايَعَته عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة , وَإِقَامَة كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَنْ تَأَبَّى عَنْ الْبَيْعَة لِعُذْرٍ عُذِرَ , وَمَنْ تَأَبَّى لِغَيْرِ عُذْر جُبِرَ وَقُهِرَ , لِئَلَّا تَفْتَرِق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ . وَإِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَالْخَلِيفَة الْأَوَّل وَقُتِلَ الْآخَر , وَاخْتُلِفَ فِي قَتْله هَلْ هُوَ مَحْسُوس أَوْ مَعْنًى فَيَكُون عَزْله قَتْله وَمَوْته . وَالْأَوَّل أَظْهَر , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَر مِنْهُمَا ) . رَوَاهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : ( وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَة يَده وَثَمَرَة قَلْبه فَلْيُطِعْهُ إِنْ اِسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَر يُنَازِعهُ فَاضْرِبُوا عُنُق الْآخَر ) . رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا , وَمِنْ حَدِيث عَرْفَجَة : ( فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) . وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى مَنْع إِقَامَة إِمَامَيْنِ , وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى النِّفَاق وَالْمُخَالَفَة وَالشِّقَاق وَحُدُوث الْفِتَن وَزَوَال النِّعَم , لَكِنْ إِنْ تَبَاعَدَتْ الْأَقْطَار وَتَبَايَنَتْ كَالْأَنْدَلُسِ وَخُرَاسَان جَازَ ذَلِكَ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . السَّادِسَة عَشْرَة : لَوْ خَرَجَ خَارِجِيّ عَلَى إِمَام مَعْرُوف الْعَدَالَة وَجَبَ عَلَى النَّاس جِهَاده , فَإِنْ كَانَ الْإِمَام فَاسِقًا وَالْخَارِجِيّ مُظْهِر لِلْعَدْلِ لَمْ يَنْبَغِ لِلنَّاسِ أَنْ يُسْرِعُوا إِلَى نُصْرَة الْخَارِجِيّ حَتَّى يَتَبَيَّن أَمْره فِيمَا يُظْهِر مِنْ الْعَدْل , أَوْ تَتَّفِق كَلِمَة الْجَمَاعَة عَلَى خَلْع الْأَوَّل , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَنْ طَلَبَ مِثْل هَذَا الْأَمْر أَظْهَرَ مِنْ نَفْسه الصَّلَاح حَتَّى إِذَا تَمَكَّنَ رَجَعَ إِلَى عَادَته مِنْ خِلَاف مَا أَظْهَرَ . السَّابِعَة عَشْرَة : فَأَمَّا إِقَامَة إِمَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة فِي عَصْر وَاحِد وَبَلَد وَاحِد فَلَا يَجُوز إِجْمَاعًا لِمَا ذَكَرْنَا . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي : ذَهَبَ أَصْحَابنَا إِلَى مَنْع عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ فِي طَرَفَيْ الْعَالَم , ثُمَّ قَالُوا : لَوْ اِتَّفَقَ عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ نُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَة تَزْوِيج وَلِيَّيْنِ اِمْرَأَة وَاحِدَة مِنْ زَوْجَيْنِ مِنْ غَيْر أَنْ يَشْعُر أَحَدهمَا بِعَقْدِ الْآخَر . قَالَ : وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ فِي صُقْع وَاحِد مُتَضَايِق الْخُطَط وَالْمَخَالِيف غَيْر جَائِز وَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ . فَأَمَّا إِذَا بَعُدَ الْمَدَى وَتَخَلَّلَ بَيْن الْإِمَامَيْنِ شُسُوع النَّوَى فَلِلِاحْتِمَالِ فِي ذَلِكَ مَجَال وَهُوَ خَارِج عَنْ الْقَوَاطِع . وَكَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق يُجَوِّز ذَلِكَ فِي إِقْلِيمَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ غَايَة التَّبَاعُد لِئَلَّا تَتَعَطَّل حُقُوق النَّاس وَأَحْكَامهمْ . وَذَهَبَتْ الْكَرَامِيَّة إِلَى جَوَاز نَصْب إِمَامَيْنِ مِنْ غَيْر تَفْصِيل , وَيَلْزَمهُمْ إِجَازَة ذَلِكَ فِي بَلَد وَاحِد , وَصَارُوا إِلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَة كَانَا إِمَامَيْنِ . قَالُوا : وَإِذَا كَانَا اِثْنَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ أَوْ نَاحِيَتَيْنِ كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَقْوَم بِمَا فِي يَدَيْهِ وَأَضْبَط لِمَا يَلِيه , وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَعْثَة نَبِيَّيْنِ فِي عَصْر وَاحِد وَلَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال النُّبُوَّة كَانَتْ الْإِمَامَة أَوْلَى , وَلَا تُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال الْإِمَامَة . وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لَوْلَا مَنْع الشَّرْع مِنْهُ , لِقَوْلِهِ : ( فَاقْتُلُوا الْآخَر مِنْهُمَا ) وَلِأَنَّ الْأُمَّة عَلَيْهِ . وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَلَمْ يَدَّعِ الْإِمَامَة لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا اِدَّعَى وِلَايَة الشَّام بِتَوْلِيَةِ مَنْ قَبْله مِنْ الْأَئِمَّة . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا إِجْمَاع الْأُمَّة فِي عَصْرهمَا عَلَى أَنَّ الْإِمَام أَحَدهمَا , وَلَا قَالَ أَحَدهمَا إِنِّي إِمَام وَمُخَالِفِي إِمَام . فَإِنْ قَالُوا : الْعَقْل لَا يُحِيل ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي السَّمْع مَا يَمْنَع مِنْهُ . قُلْنَا : أَقْوَى السَّمْع الْإِجْمَاع , وَقَدْ وُجِدَ عَلَى الْمَنْع .



قَدْ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَعْلَم إِلَّا مَا أُعْلِمَتْ وَلَا تَسْبِق بِالْقَوْلِ , وَذَلِكَ عَامّ فِي جَمِيع الْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ قَوْله : " لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ " خَرَجَ عَلَى جِهَة الْمَدْح لَهُمْ , فَكَيْف قَالُوا : " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا " ؟ فَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا لَفْظ خَلِيفَة فَهِمُوا أَنَّ فِي بَنِي آدَم مَنْ يُفْسِد ; إِذْ الْخَلِيفَة الْمَقْصُود مِنْهُ الْإِصْلَاح وَتَرْك الْفَسَاد , لَكِنْ عَمَّمُوا الْحُكْم عَلَى الْجَمِيع بِالْمَعْصِيَةِ , فَبَيَّنَ الرَّبّ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُفْسِد وَمَنْ لَا يُفْسِد فَقَالَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ : " إِنِّي أَعْلَم " وَحَقَّقَ ذَلِكَ بِأَنْ عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء , وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ مَكْنُون عِلْمه . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَلَائِكَة قَدْ رَأَتْ وَعَلِمَتْ مَا كَانَ مِنْ إِفْسَاد الْجِنّ وَسَفْكهمْ الدِّمَاء . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْض كَانَ فِيهَا الْجِنّ قَبْل خَلْق آدَم فَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ إِبْلِيس فِي جُنْد مِنْ الْمَلَائِكَة فَقَتَلَهُمْ وَأَلْحَقَهُمْ بِالْبِحَارِ وَرُءُوس الْجِبَال , فَمِنْ حِينَئِذٍ دَخَلَتْهُ الْعِزَّة . فَجَاءَ قَوْلهمْ : " أَتَجْعَلُ فِيهَا " عَلَى جِهَة الِاسْتِفْهَام الْمَحْض : هَلْ هَذَا الْخَلِيفَة عَلَى طَرِيقَة مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْجِنّ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَغَيْره . إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْخَلِيفَة سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّته قَوْم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , فَقَالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ الْمَقَالَة , إِمَّا عَلَى طَرِيق التَّعَجُّب مِنْ اِسْتِخْلَاف اللَّه مَنْ يَعْصِيه أَوْ مِنْ عِصْيَان اللَّه مَنْ يَسْتَخْلِفهُ فِي أَرْضه وَيُنْعِم عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَإِمَّا عَلَى طَرِيق الِاسْتِعْظَام وَالْإِكْبَار لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا : الِاسْتِخْلَاف وَالْعِصْيَان . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ فِي الْأَرْض خَلْقًا أَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَسَأَلُوا حِين قَالَ تَعَالَى : " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " أَهُوَ الَّذِي أَعْلَمَهُمْ أَمْ غَيْره . وَهَذَا قَوْل حَسَن , رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا " قَالَ : كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْض خَلْق أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَلِذَلِكَ قَالُوا : " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا " . وَفِي الْكَلَام حَذْف عَلَى مَذْهَبه , وَالْمَعْنَى إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة يَفْعَل كَذَا وَيَفْعَل كَذَا , فَقَالُوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا الَّذِي أَعْلَمْتنَاهُ أَمْ غَيْره ؟ وَالْقَوْل الْأَوَّل أَيْضًا حَسَن جِدًّا ; لِأَنَّ فِيهِ اِسْتِخْرَاج الْعِلْم وَاسْتِنْبَاطه مِنْ مُقْتَضَى الْأَلْفَاظ وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْعُلَمَاء , وَمَا بَيْن الْقَوْلَيْنِ حَسَن , فَتَأَمَّلْهُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ سُؤَالَهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ : ( كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي ) - عَلَى مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره - إِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ لِمَنْ قَالَ : أَتَجْعَلُ فِيهَا , وَإِظْهَار لِمَا سَبَقَ فِي مَعْلُومه إِذْ قَالَ لَهُمْ : " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " . قَوْله : " مَنْ يُفْسِد فِيهَا " " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْمَفْعُول بِتَجْعَل وَالْمَفْعُول الثَّانِي يَقُوم مَقَامه " فِيهَا " . " يُفْسِد " عَلَى اللَّفْظ , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن يُفْسِدُونَ عَلَى الْمَعْنَى . وَفِي التَّنْزِيل : " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك " [ الْأَنْعَام : 25 ] عَلَى اللَّفْظ , " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ " عَلَى الْمَعْنَى .



عَطْف عَلَيْهِ , وَيَجُوز فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَرَوَى أُسَيْد عَنْ الْأَعْرَج أَنَّهُ قَرَأَ : " وَيَسْفِك الدِّمَاء " بِالنَّصْبِ , يَجْعَلهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْوَاوِ كَمَا قَالَ : أَلَمْ أَكُ جَاركُمْ وَتَكُون بَيْنِي وَبَيْنكُمْ الْمَوَدَّة وَالْإِخَاء وَالسَّفْك : الصَّبّ . سَفَكْت الدَّم أَسْفِكهُ سَفْكًا : صَبَبْته , وَكَذَلِكَ الدَّمْع , حَكَاهُ اِبْن فَارِس وَالْجَوْهَرِيّ . وَالسَّفَّاك : السَّفَّاح , وَهُوَ الْقَادِر عَلَى الْكَلَام . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَلَا يُسْتَعْمَل السَّفْك إِلَّا فِي الدَّم , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي نَثْر الْكَلَام يُقَال سَفَكَ الْكَلَام إِذَا نَثَرَهُ . وَوَاحِد الدِّمَاء دَم , مَحْذُوف اللَّام . وَقِيلَ : أَصْله دَمِي . وَقِيلَ دَمِي , وَلَا يَكُون اِسْم عَلَى حَرْفَيْنِ إِلَّا وَقَدْ حُذِفَ مِنْهُ , وَالْمَحْذُوف مِنْهُ يَاء وَقَدْ نُطِقَ بِهِ عَلَى الْأَصْل , قَالَ الشَّاعِر : فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَر ذُبِحْنَا جَرَى الدَّميَانِ بِالْخَبَرِ الْيَقِين





أَيْ نُنَزِّهك عَمَّا لَا يَلِيق بِصِفَاتِك . وَالتَّسْبِيح فِي كَلَامهمْ التَّنْزِيه مِنْ السُّوء عَلَى وَجْه التَّعْظِيم , وَمِنْهُ قَوْل أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : أَقُول لَمَّا جَاءَنِي فَخْره سُبْحَان مِنْ عَلْقَمَة الْفَاخِر أَيْ بَرَاءَة مِنْ عَلْقَمَة . وَرَوَى طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِير سُبْحَان اللَّه فَقَالَ : ( هُوَ تَنْزِيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كُلّ سُوء ) . وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ السَّبْح وَهُوَ الْجَرْي وَالذَّهَاب , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ لَك فِي النَّهَار سَبْحًا طَوِيلًا " [ الْمُزَّمِّل : 7 ] فَالْمُسَبِّح جَارٍ فِي تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى وَتَبْرِئَته مِنْ السُّوء . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي " نَحْنُ " , وَلَا يَجُوز إِدْغَام النُّون فِي النُّون لِئَلَّا يَلْتَقِي سَاكِنَانِ . مَسْأَلَة : وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَسْبِيح الْمَلَائِكَة , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : تَسْبِيحهمْ صَلَاتهمْ , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ " [ الصَّافَّات : 143 ] أَيْ الْمُصَلِّينَ . وَقِيلَ : تَسْبِيحهمْ رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ , قَالَهُ الْمُفَضَّل , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِير : قَبَّحَ الْإِلَه وُجُوه تَغْلِب كُلَّمَا سَبَّحَ الْحَجِيج وَكَبَّرُوا إِهْلَالَا وَقَالَ قَتَادَة : تَسْبِيحهمْ : سُبْحَان اللَّه , عَلَى عُرْفه فِي اللُّغَة , وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَيّ الْكَلَام أَفْضَل ؟ قَالَ : ( مَا اِصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن قُرْط أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السَّمَوَات الْعُلَا : سُبْحَان الْعَلِيّ الْأَعْلَى سُبْحَانه وَتَعَالَى ذِكْره الْبَيْهَقِيّ . قَوْله تَعَالَى " بِحَمْدِك " أَيْ وَبِحَمْدِك نَخْلِط التَّسْبِيح بِالْحَمْدِ وَنَصِلهُ بِهِ . وَالْحَمْد : الثَّنَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْلهمْ : " بِحَمْدِك " اِعْتِرَاضًا بَيْن الْكَلَامَيْنِ , كَأَنَّهُمْ قَالُوا : وَنَحْنُ نُسَبِّح وَنُقَدِّس , ثُمَّ اِعْتَرَضُوا عَلَى جِهَة التَّسْلِيم , أَيْ وَأَنْتَ الْمَحْمُود فِي الْهِدَايَة إِلَى ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .







أَيْ نُعَظِّمك وَنُمَجِّدك وَنُطَهِّر ذِكْرك عَمَّا لَا يَلِيق بِك مِمَّا نَسَبَك إِلَيْهِ الْمُلْحِدُونَ , قَالَ مُجَاهِد وَأَبُو صَالِح وَغَيْرهمَا . وَقَالَ الضَّحَّاك وَغَيْره : الْمَعْنَى نُطَهِّر أَنْفُسنَا لَك اِبْتِغَاء مَرْضَاتك وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ قَتَادَة : " نُقَدِّس لَك " مَعْنَاهُ نُصَلِّي . وَالتَّقْدِيس : الصَّلَاة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف . قُلْت : بَلْ مَعْنَاهُ صَحِيح , فَإِنَّ الصَّلَاة تَشْتَمِل عَلَى التَّعْظِيم وَالتَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده : ( سُبُّوح قُدُّوس رَبّ الْمَلَائِكَة وَالرُّوح ) . رَوَتْهُ عَائِشَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَبِنَاء " قَدَّسَ " كَيْفَمَا تَصَرَّفَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّطْهِير , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة " [ الْمَائِدَة : 21 ] أَيْ الْمُطَهَّرَة . وَقَالَ : " الْمَلِك الْقُدُّوس " [ الْحَشْر : 23 ] يَعْنِي الطَّاهِر , وَمِثْله : " بِالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى " [ طَه : 12 ] وَبَيْت الْمَقْدِس سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمَكَان الَّذِي يُتَقَدَّس فِيهِ مِنْ الذُّنُوب أَيْ يُتَطَهَّر , وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّطْلِ : قَدَس ; لِأَنَّهُ يُتَوَضَّأ فِيهِ وَيُتَطَهَّر , وَمِنْهُ الْقَادُوس . وَفِي الْحَدِيث : ( لَا قُدِّسَتْ أُمَّة لَا يُؤْخَذ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيّهَا ) . يُرِيد لَا طَهَّرَهَا اللَّه , أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه . فَالْقُدْس : الطُّهْر مِنْ غَيْر خِلَاف , وَقَالَ الشَّاعِر : فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَان ثَوْب الْمُقَدَّس أَيْ الْمُطَهَّر . فَالصَّلَاة طُهْرَة لِلْعَبْدِ مِنْ الذُّنُوب , وَالْمُصَلِّي يَدْخُلهَا عَلَى أَكْمَل الْأَحْوَال لِكَوْنِهَا أَفْضَل الْأَعْمَال , وَاَللَّه أَعْلَم .





" أَعْلَم " فِيهِ تَأْوِيلَانِ , قِيلَ : إِنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل . وَقِيلَ : إِنَّهُ اِسْم بِمَعْنَى فَاعِل , كَمَا يُقَال : اللَّه أَكْبَر , بِمَعْنَى كَبِير , وَكَمَا قَالَ : لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَل عَلَى أَيّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّة أَوَّل فَعَلَى أَنَّهُ فِعْل تَكُون " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِأَعْلَم , وَيَجُوز إِدْغَام الْمِيم فِي الْمِيم . وَإِنْ جَعَلْته اِسْمًا بِمَعْنَى عَالِم تَكُون " مَا " فِي مَوْضِع خَفْض بِالْإِضَافَةِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَلَا يَصِحّ فِيهِ الصَّرْف بِإِجْمَاعٍ مِنْ النُّحَاة , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي " أَفْعَل " إِذَا سُمِّيَ بِهِ وَكَانَ نَكِرَة , فَسِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيل لَا يَصْرِفَانِهِ , وَالْأَخْفَش يَصْرِفهُ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : يَجُوز أَنْ تُقَدِّر التَّنْوِين فِي " أَعْلَم " إِذَا قَدَّرْته بِمَعْنَى عَالِم , وَتَنْصِب " مَا " بِهِ , فَيَكُون مِثْل حَوَاجّ بَيْت اللَّه . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَنِسْوَة حَوَاجّ بَيْت اللَّه , بِالْإِضَافَةِ إِذَا كُنَّ قَدْ حَجَجْنَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَجْنَ قُلْت : حَوَاجّ بَيْت اللَّه , فَتَنْصِب الْبَيْت , لِأَنَّك تُرِيد التَّنْوِين فِي حَوَاجّ . قَوْله تَعَالَى " مَا لَا تَعْلَمُونَ " اِخْتَلَفَ عُلَمَاء التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا لَا تَعْلَمُونَ " . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ إِبْلِيس - لَعَنَهُ اللَّه - قَدْ أُعْجِبَ وَدَخَلَهُ الْكِبْر لَمَّا جَعَلَهُ خَازِن السَّمَاء وَشَرَّفَهُ , فَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ لَهُ , فَاسْتَخَفَّ الْكُفْر وَالْمَعْصِيَة فِي جَانِب آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : " وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك " [ الْبَقَرَة : 30 ] وَهِيَ لَا تَعْلَم أَنَّ فِي نَفْس إِبْلِيس خِلَاف ذَلِكَ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ : " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ الْبَقَرَة : 30 ] . وَقَالَ قَتَادَة : لَمَّا قَالَتْ الْمَلَائِكَة " أَتَجْعَلُ فِيهَا " [ الْبَقَرَة : 30 ] وَقَدْ عَلِمَ اللَّه أَنَّ فِيمَنْ يُسْتَخْلَف فِي الْأَرْض أَنْبِيَاء وَفُضَلَاء وَأَهْل طَاعَة قَالَ لَهُمْ " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " . قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ مِمَّا كَانَ وَمِمَّا يَكُون وَمِمَّا هُوَ كَائِن , فَهُوَ عَامّ .
مشاركة الموضوع