الْمَعْنَى : لَيْسَ غَرَضهمْ يَا مُحَمَّد بِمَا يَقْتَرِحُونَ مِنْ الْآيَات أَنْ يُؤْمِنُوا , بَلْ لَوْ أَتَيْتهمْ بِكُلِّ مَا يَسْأَلُونَ لَمْ يَرْضَوْا عَنْك , وَإِنَّمَا يُرْضِيهِمْ تَرْك مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام وَاتِّبَاعهمْ . يُقَال : رَضِيَ يَرْضَى رِضًا وَرُضًا وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاة , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو , وَيُقَال فِي التَّثْنِيَة : رِضَوَانِ , وَحَكَى الْكِسَائِيّ : رِضَيَانِ . وَحُكِيَ رِضَاء مَمْدُود , وَكَأَنَّهُ مَصْدَر رَاضَى يُرَاضِي مُرَاضَاة وَرِضَاء . " تَتَّبِع " مَنْصُوب بِأَنْ وَلَكِنَّهَا لَا تَظْهَر مَعَ حَتَّى , قَالَهُ الْخَلِيل . وَذَلِكَ أَنَّ حَتَّى خَافِضَة لِلِاسْمِ , كَقَوْلِهِ : " حَتَّى مَطْلِع الْفَجْر " [ الْقَدْر : 5 ] وَمَا يَعْمَل فِي الِاسْم لَا يَعْمَل فِي الْفِعْل أَلْبَتَّةَ , وَمَا يَخْفِض اِسْمًا لَا يَنْصِب شَيْئًا . وَقَالَ النَّحَّاس : " تَتَّبِع " مَنْصُوب بِحَتَّى , و " حَتَّى " بَدَل مِنْ أَنْ . وَالْمِلَّة : اِسْم لِمَا شَرَعَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ فِي كُتُبه وَعَلَى أَلْسِنَة رُسُله . فَكَانَتْ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة سَوَاء , فَأَمَّا الدِّين فَقَدْ فُرِّقَ بَيْنه وَبَيْن الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة , فَإِنَّ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة مَا دَعَا اللَّه عِبَاده إِلَى فِعْله , وَالدِّين مَا فَعَلَهُ الْعِبَاد عَنْ أَمْره .
تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَة جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد وَأَحْمَد بْن حَنْبَل عَلَى أَنَّ الْكُفْر كُلّه مِلَّة وَاحِدَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مِلَّتهمْ " فَوَحَّدَ الْمِلَّة , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين " [ الْكَافِرُونَ : 6 ] , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْإِسْلَام وَالْكُفْر , بِدَلِيلِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَرِث الْمُسْلِم الْكَافِر ) . وَذَهَبَ مَالِك وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِلَى أَنَّ الْكُفْر مِلَل , فَلَا يَرِث الْيَهُودِيّ النَّصْرَانِيّ , وَلَا يَرِثَانِ الْمَجُوسِيّ , أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " مِلَّتهمْ " فَالْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة وَإِنْ كَانَتْ مُوَحَّدَة فِي اللَّفْظ بِدَلِيلِ إِضَافَتهَا إِلَى ضَمِير الْكَثْرَة , كَمَا تَقُول : أَخَذْت عَنْ عُلَمَاء أَهْل الْمَدِينَة - مَثَلًا - عِلْمهمْ , وَسَمِعْت عَلَيْهِمْ حَدِيثهمْ , يَعْنِي عُلُومهمْ وَأَحَادِيثهمْ .
الْمَعْنَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّد مِنْ هُدَى اللَّه الْحَقّ الَّذِي يَضَعهُ فِي قَلْب مَنْ يَشَاء هُوَ الْهُدَى الْحَقِيقِيّ , لَا مَا يَدَّعِيه هَؤُلَاءِ .
الْأَهْوَاء جَمْع هَوًى , كَمَا تَقُول : جَمَل وَأَجْمَال , وَلَمَّا كَانَتْ مُخْتَلِفَة جُمِعَتْ , وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَفْرَاد الْمِلَّة لَقَالَ هَوَاهُمْ . وَفِي هَذَا الْخِطَاب وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ لِلرَّسُولِ , لِتَوَجُّهِ الْخِطَاب إِلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَاد بِهِ أُمَّته , وَعَلَى الْأَوَّل يَكُون فِيهِ تَأْدِيب لِأُمَّتِهِ , إِذْ مَنْزِلَتهمْ دُون مَنْزِلَته . وَسَبَب الْآيَة أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ الْمُسَالَمَة وَالْهُدْنَة , وَيَعِدُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ , فَأَعْلَمَهُ اللَّه أَنَّهُمْ لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتَّى يَتَّبِع مِلَّتهمْ , وَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ . قَوْله تَعَالَى : " مِنْ الْعِلْم " سُئِلَ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَمَّنْ يَقُول : الْقُرْآن مَخْلُوق , فَقَالَ : كَافِر , فَقِيلَ : بِمَ كَفَّرْته ؟ فَقَالَ : بِآيَاتٍ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى : " وَلَئِنْ اِتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ بَعْد الَّذِي جَاءَك مِنْ الْعِلْم " [ الْبَقَرَة : 145 ] وَالْقُرْآن مِنْ عِلْم اللَّه . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوق فَقَدْ كَفَرَ .