تفسير الطبري

سورة الكهف الآية ٨٤

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ﴿٨٤﴾
وَقَوْله : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول : إِنَّا وَطَّأْنَا لَهُ فِي الْأَرْض , { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء : يَعْنِي مَا يَتَسَبَّب إِلَيْهِ وَهُوَ الْعِلْم بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17550 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول عِلْمًا . 17551 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } : أَيْ عِلْمًا . 17552 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء عِلْمًا . 17553 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } قَالَ : عِلْم كُلّ شَيْء . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } عِلْمًا . 17554 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول : عِلْمًا .
" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ " أي: ملكه الله تعالى, ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض, وانقيادهم له.
" وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا " أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له, لما وصل إليه, ما به يستعين على قهر البلدان, وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران.
وعمل بتلك الأسباب, التي أعطاه الله إياها, أي: استعملها على وجهها.
فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه, ولا كل أحد يكون قادرا على السبب.
فإدا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي, والعمل به, حصل المقصود, وإن عدما أو أحدهما لم يحصل.
وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها, لم يخبرنا الله ولا رسوله بها, ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم, فلهذا, لا يسعنا غير السكوت عنها, وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها.
ولكننا نعلم بالجملة, أنها أسباب قوية كثيرة, داخلية وخارجية, بها صار له جند عظيم, ذو عدد وعدد ونظام.
وبه تمكن من قهر الأعداء, ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها, وأنحائها.
فأعطاه الله, ما بلغ به مغرب الشمس, حتى رأى الشمس في مرأى العين, كأنها تغرب في عين حمئة, أي: سوداء, وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء, رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع, ووجد عندها, أي: عند مغربها قوما.
" قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا " أي: إما أن تعذبهم, بقتل, أو ضرب, أو أسر ونحوه, وإما أن تحسن إليهم فخير بين الأمرين, لأن الظاهر أنهم كفار, أو فساق, أو فيهم شيء من ذلك.
لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق, لم يرخص في تعذيبهم.
فكان عند ذي القرنين, من السياسة الشرعية, ما استحق به المدح والثناء, لتوفيق الله له لذلك, فقال: سأجعلهم قسمين.
إنا مكَّنَّا له في الأرض، وآتيناه من كل شيء أسبابًا وطرقًا، يتوصل بها إلى ما يريد مِن فَتْح المدائن وقهر الأعداء وغير ذلك.
"إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض" بِتَسْهِيلِ السَّيْر فِيهَا "وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء" يَحْتَاج إلَيْهِ "سَبَبًا" طَرِيقًا يُوصِلهُ إلَى مُرَاده
وَقَوْله " إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض " أَيْ أَعْطَيْنَاهُ مُلْكًا عَظِيمًا مُمَكَّنًا فِيهِ مِنْ جَمِيع مَا يُؤْتَى الْمُلُوك مِنْ التَّمْكِين وَالْجُنُود وَآلَات الْحَرْب وَالْحِصَارَات وَلِهَذَا مَلَكَ الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب مِنْ الْأَرْض وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَاد وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوك الْعِبَاد وَخَدَمَتْهُ الْأُمَم مِنْ الْعَرَب وَالْعَجَم وَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَغَ قَرْنَيْ الشَّمْس مَشْرِقهَا وَمَغْرِبهَا وَقَوْله " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ يَعْنِي عِلْمًا وَقَالَ قَتَادَة أَيْضًا فِي قَوْله " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا " قَالَ : مَنَازِل الْأَرْض وَأَعْلَامهَا وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْله " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا " قَالَ تَعْلِيم الْأَلْسِنَة قَالَ كَانَ لَا يَغْزُو قَوْمًا إِلَّا كَلَّمَهُمْ بِلِسَانِهِمْ وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة : حَدَّثَنِي سَالِم بْن غَيْلَان عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال أَنَّ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَار : أَنْتَ تَقُول إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ يَرْبِط خَيْله بِالثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ لَهُ كَعْب إِنْ كُنْت قُلْت ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّه قَالَ " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا " وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى كَعْب الْأَحْبَار هُوَ الصَّوَاب وَالْحَقّ مَعَ مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ الْإِنْكَار فَإِنَّ مُعَاوِيَة كَانَ يَقُول عَنْ كَعْب : إِنْ كُنَّا لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِب يَعْنِي فِيمَا يَنْقُلهُ لَا أَنَّهُ كَانَ يَتَعَمَّد نَقْل مَا لَيْسَ فِي صُحُفه وَلَكِنَّ الشَّأْن فِي صُحُفه أَنَّهَا مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات الَّتِي غَالِبهَا مُبَدَّل مُصَحَّف مُحَرَّف مُخْتَلَق وَلَا حَاجَة لَنَا مَعَ خَبَر اللَّه تَعَالَى وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَيْء مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ دَخَلَ مِنْهَا عَلَى النَّاس شَرّ كَثِير وَفَسَاد عَرِيض. وَتَأْوِيل كَعْب قَوْل اللَّه " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا " وَاسْتِشْهَاده فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِدهُ فِي صُحُفه مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَرْبِط خَيْله بِالثُّرَيَّا غَيْر صَحِيح وَلَا مُطَابِق فَإِنَّهُ لَا سَبِيل لِلْبَشَرِ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَلَا إِلَى التَّرَقِّي فِي أَسْبَاب السَّمَاوَات وَقَدْ قَالَ اللَّه فِي حَقّ بِلْقِيس " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء " أَيْ مِمَّا يُؤْتَى مِثْلهَا مِنْ الْمُلُوك وَهَكَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ يَسَّرَ اللَّه لَهُ الْأَسْبَاب أَيْ الطُّرُق وَالْوَسَائِل إِلَى فَتْح الْأَقَالِيم وَالرَّسَاتِيق وَالْبِلَاد وَالْأَرَاضِي وَكَسْر الْأَعْدَاء وَكَبْت مُلُوك الْأَرْض وَإِذْلَال أَهْل الشِّرْك قَدْ أُوتِيَ مِنْ كُلّ شَيْء مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِثْله سَبَبًا وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي الْمُخْتَارَة لِلْحَافِظِ الضِّيَاء الْمَقْدِسِيّ مِنْ طَرِيق قُتَيْبَة عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ حَبِيب بْن حَمَّاد قَالَ : كُنْت عِنْد عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَيْف بَلَغَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب ؟ فَقَالَ سُبْحَان اللَّه سَخَّرَ لَهُ السَّحَاب وَقَدَّرَ لَهُ الْأَسْبَاب وَبَسَطَ لَهُ الْيَد .
قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( سُخِّرَ لَهُ السَّحَاب , وَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَاب , وَبُسِطَ لَهُ فِي النُّور , فَكَانَ اللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْهِ سَوَاء ) وَفِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرِجَالٍ مِنْ أَهْل الْكِتَاب سَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ : ( إِنَّ أَوَّل أَمْره كَانَ غُلَامًا مِنْ الرُّوم فَأُعْطِيَ مُلْكًا فَسَارَ حَتَّى أَتَى أَرْض مِصْر فَابْتَنَى بِهَا مَدِينَة يُقَال لَهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ مَلَك فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ لَهُ اُنْظُرْ مَا تَحْتك قَالَ أَرَى مَدِينَتِي وَحْدهَا لَا أَرَى غَيْرهَا فَقَالَ لَهُ الْمَلَك تِلْكَ الْأَرْض كُلّهَا وَهَذَا السَّوَاد الَّذِي تَرَاهُ مُحِيطًا بِهَا هُوَ الْبَحْر وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُرِيك الْأَرْض وَقَدْ جَعَلَ لَك سُلْطَانًا فِيهَا فَسِرْ فِي الْأَرْض فَعَلِّمْ الْجَاهِل وَثَبِّتْ الْعَالِم ) الْحَدِيث .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( مِنْ كُلّ شَيْء عِلْمًا يَتَسَبَّب بِهِ إِلَى مَا يُرِيد ) وَقَالَ الْحَسَن : بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ . وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء يَحْتَاج إِلَيْهِ الْخَلْق . وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء يَسْتَعِين بِهِ الْمُلُوك مِنْ فَتْح الْمَدَائِن وَقَهْر الْأَعْدَاء . وَأَصْل السَّبَب الْحَبْل فَاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْء .
مشاركة الموضوع