تفسير الطبري

سورة الكهف الآية ٤١

أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًۭا ﴿٤١﴾
وَقَوْله : { أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا } يَقُول : أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَائِرًا ; فَوَضَعَ الْغَوْر وَهُوَ مَصْدَر مَكَان الْغَائِر , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَظَلّ جِيَاده نَوْحًا عَلَيْهِ مُقَلَّدَة أَعِنَّتهَا صُفُونَا بِمَعْنَى نَائِحَة ; وَكَمَا قَالَ الْآخَر : هَرِيقِي مِنْ دُمُوعهمَا سَجَامًا ضُبَاع وَجَاوِبِي نَوْحًا قِيَامَا وَالْعَرَب تُوَحِّد الْغَوْر مَعَ الْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ , وَتُذَكِّر مَعَ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث , تَقُول : مَاء غَوْر , وَمَاءَانِ غَوْر وَمِيَاه غَوْر . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { غَوْرًا } ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْض , فَذَهَبَ فَلَا تَلْحَقهُ الرِّشَاء , كَمَا : 17394 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا } أَيْ ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْض .

وَقَوْله : { فَلَنْ تَسْتَطِيع لَهُ طَلَبًا } يَقُول : فَلَنْ تُطِيق أَنْ تُدْرِك الْمَاء الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتك بَعْد غَوْره , بِطَلَبِك إِيَّاهُ .
وهلا حين دخَلْتَ حديقتك فأعجبتك حَمِدت الله، وقلت: هذا ما شاء الله لي، لا قوة لي على تحصيله إلا بالله. إن كنت تراني أقل منك مالا وأولادًا، فعسى ربي أن يعطيني أفضل من حديقتك، ويسلبك النعمة بكفرك، ويرسل على حديقتك عذابا من السماء، فتصبح أرضًا ملساء جرداء لا تثبت عليها قدم، ولا ينبت فيها نبات، أو يصير ماؤها الذي تُسقى منه غائرًا في الأرض، فلا تقدر على إخراجه.
"أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا" بِمَعْنَى غَائِرًا عَطْف عَلَى يُرْسِل دُون تُصْبِح لِأَنَّ غَوْر الْمَاء لَا يَتَسَبَّب عَنْ الصَّوَاعِق "فَلَنْ تَسْتَطِيع لَهُ طَلَبًا" حِيلَة تُدْرِكهُ بِهَا
" وَقَوْله : " أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا " أَيْ غَائِرًا فِي الْأَرْض وَهُوَ ضِدّ النَّابِع الَّذِي يَطْلُب وَجْه الْأَرْض فَالْغَائِر يَطْلُب أَسْفَلهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين " أَيْ جَارٍ وَسَائِجٍ وَقَالَ هَاهُنَا " أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيع لَهُ طَلَبًا " وَالْغَوْر مَصْدَر بِمَعْنَى غَائِر وَهُوَ أَبْلَغ مِنْهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَظَلّ جِيَاده نَوْحًا عَلَيْهِ تُقَلِّدهُ أَعِنَّتهَا صُفُوفًا بِمَعْنَى نَائِحَات عَلَيْهِ .
أَيْ غَائِرًا ذَاهِبًا , فَتَكُون أَعْدَم أَرْض لِلْمَاءِ بَعْد أَنْ كَانَتْ أَوْجَدَ أَرْض لِلْمَاءِ . وَالْغَوْر مَصْدَر وُضِعَ مَوْضِع الِاسْم ; كَمَا يُقَال : رَجُل صَوْم وَفِطْر وَعَدْل وَرِضَا وَفَضْل وَزَوْر وَنِسَاء نَوْح ; وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث وَالتَّثْنِيَة وَالْجَمْع . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : تَظَلّ جِيَاده نَوْحًا عَلَيْهِ مُقَلَّدَة أَعِنَّتهَا صُفُونًا آخَر : هَرِيقِي مِنْ دُمُوعهمَا سِجَامًا ضُبَاع وَجَاوِبِي نُوحًا قِيَامًا أَيْ نَائِحَات . وَقِيلَ : أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا ذَا غَوْر ; فَحَذَفَ الْمُضَاف ; مِثْل " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : مَاء غَوْر . وَقَدْ غَارَ الْمَاء يَغُور غَوْرًا وَغُوُورًا , أَيْ سَفُلَ فِي الْأَرْض , وَيَجُوز الْهَمْزَة لِانْضِمَامِ الْوَاو . وَغَارَتْ عَيْنه تَغُور غَوْرًا وَغُؤُورًا ; دَخَلَتْ فِي الرَّأْس . وَغَارَتْ تَغَار لُغَة فِيهِ . وَقَالَ : أَغَارَتْ عَيْنه أَمْ لَمْ تَغَارَا وَغَارَتْ الشَّمْس تَغُور غِيَارًا , أَيْ غَرَبَت . قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : هَلْ الدَّهْر إِلَّا لَيْلَة وَنَهَارهَا وَإِلَّا طُلُوع الشَّمْس ثُمَّ غِيَارهَا


أَيْ لَنْ تَسْتَطِيع رَدّ الْمَاء الْغَائِر , وَلَا تَقْدِر عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ . وَقِيلَ : فَلَنْ تَسْتَطِيع طَلَب غَيْره بَدَلًا مِنْهُ . وَإِلَى هَذَا الْحَدِيث اِنْتَهَتْ مُنَاظَرَة أَخِيهِ وَإِنْذَاره .
مشاركة الموضوع