تفسير الطبري

سورة الكهف الآية ٣٦

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿٣٦﴾
وَمَا أَظُنّ السَّاعَة الَّتِي وَعَدَ اللَّه خَلْقه الْحَشْر فِيهَا تَقُوم فَتَحْدُث , ثُمَّ تَمَنَّى أَمْنِيَّة أُخْرَى عَلَى شَكّ مِنْهُ , فَقَالَ : { وَلَئِنْ رُدِدْت إِلَى رَبِّي } فَرَجَعْت إِلَيْهِ , وَهُوَ غَيْر مُوقِن أَنَّهُ رَاجِع إِلَيَّ { لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } يَقُول : لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِي هَذِهِ عِنْد اللَّه إِنْ رُدِدْت إِلَيْهِ مَرْجِعًا وَمَرَدًّا , يَقُول : لَمْ يُعْطِنِي هَذِهِ الْجَنَّة فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلِي عِنْده أَفْضَل مِنْهَا فِي الْمَعَاد إِنْ رُدِدْت إِلَيْهِ . كَمَا : 17385 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } قَالَ : شَكَّ , ثُمَّ قَالَ : { وَلَئِنْ } كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ { رُدِدْت إِلَى رَبِّي لَأَجِدَن خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } مَا أَعْطَانِي هَذِهِ إِلَّا وَلِي عِنْده خَيْر مِنْ ذَلِكَ . 17386 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَدَخَلَ جَنَّته وَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } كَفُور لِنِعَمِ رَبّه , مُكَذِّب بِلِقَائِهِ , مُتَمَنٍّ عَلَى اللَّه .
ودخل حديقته، وهو ظالم لنفسه بالكفر بالبعث، وشكه في قيام الساعة، فأعجبته ثمارها وقال: ما أعتقد أن تَهْلِك هذه الحديقة مدى الحياة، وما أعتقد أن القيامة واقعة، وإن فُرِضَ وقوعها -كما تزعم أيها المؤمن- ورُجعتُ إلى ربي لأجدنَّ عنده أفضل من هذه الحديقة مرجعًا ومردًا؛ لكرامتي ومنزلتي عنده.
"وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة وَلَئِنْ رُدِدْت إلَى رَبِّي" فِي الْآخِرَة عَلَى زَعْمك "لَأَجِدَن خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا" مَرْجِعًا
وَلِهَذَا قَالَ " وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة " أَيْ كَائِنَة " وَلَئِنْ رُدِدْت إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا " أَيْ وَلَئِنْ كَانَ مَعَاد وَرَجْعَة وَمَرَدّ إِلَى اللَّه لَيَكُونَنَّ لِي هُنَاكَ أَحْسَن مِنْ هَذَا الْحَظّ عِنْد رَبِّي وَلَوْلَا كَرَامَتِي عَلَيْهِ مَا أَعْطَانِي هَذَا كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " وَلَئِنْ رُجِعْت إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْده لَلْحُسْنَى " وَقَالَ " أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا " أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة تَأَلَّى عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَكَانَ سَبَب نُزُولهَا فِي الْعَاصِ بْن وَائِل كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه وَبِهِ الثِّقَة وَعَلَيْهِ التُّكْلَان .
أَيْ لَا أَحْسِب الْبَعْث كَائِنًا .


أَيْ وَإِنْ كَانَ بَعْث فَكَمَا أَعْطَانِي هَذِهِ النِّعَم فِي الدُّنْيَا فَسَيُعْطِينِي أَفْضَل مِنْهُ لِكَرَامَتِي عَلَيْهِ ;


وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَمَّا دَعَاهُ أَخُوهُ إِلَى الْإِيمَان بِالْحَشْرِ وَالنَّشْر . وَفِي مَصَاحِف مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالشَّام " مِنْهُمَا " . وَفِي مَصَاحِف أَهْل الْبَصْرَة وَالْكُوفَة " مِنْهَا " عَلَى التَّوْحِيد , وَالتَّثْنِيَة أَوْلَى ; لِأَنَّ الضَّمِير أَقْرَب إِلَى الْجَنَّتَيْنِ .
مشاركة الموضوع