تفسير الطبري

سورة الإسراء الآية ٧٥

إِذًۭا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا ﴿٧٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ رَكَنْت إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد شَيْئًا قَلِيلًا فِيمَا سَأَلُوك إِذَنْ لَأَذَقْنَاك ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة , وَضِعْف عَذَاب الْمَمَات . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي : ضِعْف عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . 17009 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { ضِعْف الْحَيَاة } قَالَ : عَذَابهَا { وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الْآخِرَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17010 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } : أَيْ عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . 17011 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة } مُخْتَصَر , كَقَوْلِك : ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة { وَضِعْف الْمَمَات } فَهُمَا عَذَابَانِ , عَذَاب الْمَمَات بِهِ ضُوعِفَ عَذَاب الْحَيَاة .

وَقَوْله { ثُمَّ لَا تَجِد لَك عَلَيْنَا نَصِيرًا } يَقُول : ثُمَّ لَا تَجِد لَك يَا مُحَمَّد إِنْ نَحْنُ أَذَقْنَاك لِرُكُونِك إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَوْ رَكَنْت إِلَيْهِمْ , عَذَاب الْحَيَاة وَعَذَاب الْمَمَات عَلَيْنَا نَصِيرًا يَنْصُرك عَلَيْنَا , وَيَمْنَعك مِنْ عَذَابك , وَيُنْقِذك مِمَّا نَالَك مِنَّا مِنْ عُقُوبَة .
" إِذًا " لو ركنت إليهم بما يهوون " لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ " .
أي: لأصبناك بعذاب مضاعف, في الدنيا والآخرة, وذلك لكمال نعمة الله عليك, وكمال معرفتك.
" ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " ينقذك مما يحل بك من العذاب, ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر, ومن الشر, فثبتك وهداك الصراط المستقيم, ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه, فله عليك, أتم نعمة, وأبلغ منحة.
ولو رَكَنت -أيها الرسول- إلى هؤلاء المشركين ركونًا قليلا فيما سألوك، إذًا لأذقناك مِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة؛ وذلك لكمال نعمة الله عليك وكمال معرفتك، ثم لا تجد أحدًا ينصرك ويدفع عنك عذابنا.
"إذًا" لَوْ رَكَنْت "ضِعْف الْحَيَاة" أَيْ ضِعْف الْعَذَاب "وَضِعْف الْمَمَات" أَيْ مِثْلَيْ مَا يُعَذَّب غَيْرك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة "نَصِيرًا" مَانِعًا مِنْهُ
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ تَأْيِيده رَسُوله صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه وَتَثْبِيته وَعِصْمَته وَسَلَامَته مِنْ شَرّ الْأَشْرَار وَكَيْد الْفُجَّار وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي أَمْره وَنَصْره وَأَنَّهُ لَا يَكِلهُ إِلَى أَحَد مِنْ خَلْقه بَلْ هُوَ وَلِيّه وَحَافِظه وَنَاصِره وَمُؤَيِّده وَمُظَفِّره وَمُظْهِر دِينه عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَخَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ فِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْم الدِّين .
أَيْ لَوْ رَكَنْت لَأَذَقْنَاك مِثْلَيْ عَذَاب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَمِثْلَيْ عَذَاب الْمَمَات فِي الْآخِرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . وَهَذَا غَايَة الْوَعِيد . وَكُلَّمَا كَانَتْ الدَّرَجَة أَعْلَى كَانَ الْعَذَاب عِنْد الْمُخَالَفَة أَعْظَم . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا نِسَاء النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَيْنِ " [ الْأَحْزَاب : 30 ] وَضِعْف الشَّيْء مِثْله مَرَّتَيْنِ , وَقَدْ يَكُون الضِّعْف النَّصِيب ; كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " لِكُلٍّ ضِعْف " [ الْأَعْرَاف : 38 ] أَيْ نَصِيب . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَاف .
مشاركة الموضوع