تفسير الطبري

سورة النحل الآية ٢١

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْوَات غَيْر أَحْيَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش : وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه أَيّهَا النَّاس { أَمْوَات غَيْر أَحْيَاء } وَجَعَلَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْوَاتًا غَيْر أَحْيَاء , إِذْ كَانَتْ لَا أَرْوَاح فِيهَا . كَمَا : 16274 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَمْوَات غَيْر أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } وَهِيَ هَذِهِ الْأَوْثَان الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُون اللَّه أَمْوَات لَا أَرْوَاح فِيهَا , وَلَا تَمْلِك لِأَهْلِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا . وَفِي رَفْع الْأَمْوَات وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون خَبَرًا لِلَّذِينَ , وَالْآخَر عَلَى الِاسْتِئْنَاف .

وَقَوْله : { وَمَا يَشْعُرُونَ } يَقُول : وَمَا تَدْرِي أَصْنَامكُمْ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه مَتَى تُبْعَث . وَقِيلَ : إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْكُفَّار , إِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ .
ومع هذا, ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء, لا علم, ولا غيره.
" أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ " فلا تسمع, ولا تبصر, ولا تعقل شيئا, أفنتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين.
فتبا لعقول المشركين, ما أضلها, وأفسدها, حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا.
وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال, ولا شيء من الأفعال, وبين الكمال من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال, وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها.
فله العلم المحيط بكل الأشياء, والقدرة العامة, والرحمة الواسعة, التي ملأت جميع العوالم.
والحمد والمجد والكبرياء والعظمة, التي لا يقدر أحد من الخلق, أن يحيط ببعض أوصافه ولهذا قال:
هم جميعًا جمادات لا حياة فيها ولا تشعر بالوقت الذي يبعث الله فيه عابديها، وهي معهم ليُلقى بهم جميعًا في النار يوم القيامة.
"أَمْوَات" لَا رُوح فِيهِمْ خَبَر ثَانٍ "غَيْر أَحْيَاء" تَأْكِيد "وَمَا يَشْعُرُونَ" أَيْ الْأَصْنَام "أَيَّانَ" وَقْت "يُبْعَثُونَ" أَيْ الْخَلْق فَكَيْفَ يُعْبَدُونَ إذْ لَا يَكُون إلَهًا إلَّا الْخَالِق الْحَيّ الْعَالِم بِالْغَيْبِ
وَقَوْله " أَمْوَات غَيْر أَحْيَاء " أَيْ هِيَ جَمَادَات لَا أَرْوَاح فِيهَا فَلَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر وَلَا تَعْقِل " وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " أَيْ لَا يَدْرُونَ مَتَى تَكُون السَّاعَة فَكَيْف يُرْتَجَى عِنْد هَذِهِ نَفْع أَوْ ثَوَاب أَوْ جَزَاء ؟ إِنَّمَا يُرْجَى ذَلِكَ مِنْ الَّذِي يَعْلَم كُلّ شَيْء وَهُوَ خَالِق كُلّ شَيْء .
أَيْ هُمْ أَمْوَات , يَعْنِي الْأَصْنَام , لَا أَرْوَاح فِيهَا وَلَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر , أَيْ هِيَ جَمَادَات فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهَا وَأَنْتُمْ أَفْضَل مِنْهَا بِالْحَيَاةِ .



" وَمَا يَشْعُرُونَ " يَعْنِي الْأَصْنَام . " أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " وَقَرَأَ السُّلَمِيّ , " إِيَّان " بِكَسْرِ الْهَمْزَة , وَهُمَا لُغَتَانِ , مَوْضِعه نُصِبَ ب " يُبْعَثُونَ " وَهِيَ فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَام . وَالْمَعْنَى : لَا يَدْرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ . وَعَبَّرَ عَنْهَا كَمَا عَبَّرَ عَنْ الْآدَمِيِّينَ ; لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَعْقِل عَنْهُمْ وَتَعْلَم وَتَشْفَع لَهُمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى , فَجَرَى خِطَابهمْ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اللَّه يَبْعَث الْأَصْنَام يَوْم الْقِيَامَة وَلَهَا أَرْوَاح فَتَتَبَرَّأ مِنْ عِبَادَتهمْ , وَهِيَ فِي الدُّنْيَا جَمَاد لَا تَعْلَم مَتَى تُبْعَث . قَالَ اِبْن عَبَّاس ; تُبْعَث الْأَصْنَام وَتُرَكَّب فِيهَا الْأَرْوَاح وَمَعَهَا شَيَاطِينهَا فَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ عَبَدَتهَا , ثُمَّ يُؤْمَر بِالشَّيَاطِينِ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّار . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَصْنَام تُطْرَح فِي النَّار مَعَ عَبَدَتهَا يَوْم الْقِيَامَة ; دَلِيله " إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم " [ الْأَنْبِيَاء : 98 ] . وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله : " لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ " ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَوَصَفَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ أَمْوَات , وَهَذَا الْمَوْت مَوْت كُفْر . " وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " أَيْ وَمَا يَدْرِي الْكُفَّار مَتَى يُبْعَثُونَ , أَيْ وَقْت الْبَعْث ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ حَثَى يَسْتَعِدُّوا لِلِقَاءِ اللَّه وَقِيلَ : أَيْ وَمَا يُدْرِيهِمْ مَتَى السَّاعَة , وَلَعَلَّهَا تَكُون قَرِيبًا .
مشاركة الموضوع