تفسير الطبري

سورة النحل الآية ١٣

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا ذَرَأَ : أَيْ مَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَالثِّمَار . كَمَا : 16247 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض } يَقُول : وَمَا خَلَقَ لَكُمْ مُخْتَلِفًا أَلْوَانه مِنْ الدَّوَابّ وَمِنْ الشَّجَر وَالثِّمَار , نِعَم مِنْ اللَّه مُتَظَاهِرَة فَاشْكُرُوهَا لِلَّهِ . 16248 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : مِنْ الدَّوَابّ وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار . وَنَصَبَ قَوْله : " مُخْتَلِفًا " لِأَنَّ قَوْله : " وَمَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَجَبَ أَنْ يَكُون " مُخْتَلِفًا أَلْوَانه " حَالًا مِنْ " مَا " , وَالْخَبَر دُونه تَامّ , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب , وَكَانَ الْكَلَام مُبْتَدَأ مِنْ قَوْله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ } لَمْ يَكُنْ فِي مُخْتَلِف إِلَّا الرَّفْع , لِأَنَّهُ كَانَ يَصِير مَرَافِع " مَا " حِينَئِذٍ .
أي: فيما ذرأ الله ونشر للعباد, من كل ما على وجه الأرض, من حيوان, وأشجار, ونبات, وغير ذلك, مما تختلف ألوانه, وتختلف منافعه آية على كمال قدرة الله, وعميم إحسانه, وسعة بره, وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له, وحده لا شريك له.
" لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ " أي: يستحضرون في ذاكرتهم, ما ينفعهم من العلم النافع, ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه, حتى يتذكروا بذلك, ما هو دليل عليه.
وسخَّر ما خلقه لكم في الأرض من الدوابِّ والثمار والمعادن، وغير ذلك مما تختلف ألوانه ومنافعه. إن في ذلك الخَلْق واختلاف الألوان والمنافع لَعبرةً لقوم يتعظون، ويعلمون أنَّ في تسخير هذه الأشياء علاماتٍ على وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة.
"وَ" سَخَّرَ لَكُمْ "مَا ذَرَأَ" خَلَقَ "لَكُمْ فِي الْأَرْض" مِنْ الْحَيَوَان وَالنَّبَات وَغَيْر ذَلِكَ "مُخْتَلِفًا أَلْوَانه" كَأَحْمَر وَأَصْفَر وَأَخْضَر وَغَيْرهَا "إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ
وَقَوْله " وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْض مُخْتَلِفًا أَلْوَانه " لَمَّا نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى مَعَالِم السَّمَاوَات نَبَّهَ عَلَى مَا خَلَقَ فِي الْأَرْض مِنْ الْأُمُور الْعَجِيبَة وَالْأَشْيَاء الْمُخْتَلِفَة مِنْ الْحَيَوَانَات وَالْمَعَادِن وَالنَّبَاتَات وَالْجَمَادَات عَلَى اِخْتِلَاف أَلْوَانهَا وَأَشْكَالهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِع وَالْخَوَاصّ " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ " أَيْ آلَاء اللَّه وَنِعَمه فَيَشْكُرُونَهَا.
أَيْ وَسَخَّرَ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْض لَكُمْ . " ذَرَأَ " أَيْ خَلَقَ ; ذَرَأَ اللَّه الْخَلْق يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا خَلَقَهُمْ , فَهُوَ ذَارِئ ; وَمِنْهُ الذُّرِّيَّة وَهِيَ نَسْل الثَّقَلَيْنِ , إِلَّا أَنَّ الْعَرَب تَرَكَتْ هَمْزهَا , وَالْجَمْع الذَّرَارِيّ . يُقَال : أَنْمَى اللَّه ذَرْأَك وَذَرْوَك , أَيْ ذُرِّيَّتك . وَأَصْل الذَّرْو وَالذَّرْء التَّفْرِيق عَنْ جَمْع . وَفِي الْحَدِيث : ذَرْء النَّار ; أَيْ أَنَّهُمْ خُلِقُوا لَهَا .

مَا ذَرَأَهُ اللَّه سُبْحَانه مِنْهُ مُسَخَّر مُذَلَّل كَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَام وَالْأَشْجَار وَغَيْرهَا , وَمِنْهُ غَيْر ذَلِكَ . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار قَالَ : لَوْلَا كَلِمَات أَقُولهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُود حِمَارًا . فَقِيلَ لَهُ : وَمَا هُنَّ ؟ فَقَالَ : أَعُوذ بِوَجْهِ اللَّه الْعَظِيم الَّذِي لَيْسَ شَيْء أَعْظَم مِنْهُ , وَبِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات الَّتِي لَا يُجَاوِزهُنَّ بَرّ وَلَا فَاجِر , وَبِأَسْمَاءِ اللَّه الْحُسْنَى كُلّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَم , مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ . وَفِيهِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّهُ قَالَ : أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ يَطْلُبهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَار , الْحَدِيث . وَفِيهِ : وَشَرّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْض . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع .


" مُخْتَلِفًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال . و " أَلْوَانه " هَيْئَاته وَمَنَاظِره , يَعْنِي الدَّوَابّ وَالشَّجَر وَغَيْرهَا .


أَيْ فِي اِخْتِلَاف أَلْوَانهَا .


أَيْ لَعِبْرَة .


أَيْ يَتَّعِظُونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ فِي تَسْخِير هَذِهِ الْمُكَوَّنَات لَعَلَامَات عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد غَيْره .
مشاركة الموضوع