تفسير الطبري

سورة الحجر الآية ٧

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿٧﴾
{ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ } قَالُوا : هَلَّا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ شَاهِدَة لَك عَلَى صِدْق مَا تَقُول { إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ } يَعْنِي : إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَك إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْك كِتَابًا , فَإِنَّ الرَّبّ الَّذِي فَعَلَ مَا تَقُول بِك لَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ إِرْسَال مَلَك مِنْ مَلَائِكَته مَعَك حُجَّة لَك عَلَيْنَا وَآيَة لَك عَلَى نُبُوَّتك وَصِدْق مَقَالَتك . وَالْعَرَب تَضَع مَوْضِع " لَوْ مَا " " لَوْ لَا " , وَمَوْضِع " لَوْ لَا " " لَوْ مَا " , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اِبْن مُقْبِل : لَوْ مَا الْحَيَاء وَلَوْ مَا الدِّين عِبْتُكُمَا بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إِذْ عِبْتُمَا عَوَرِي يُرِيد : لَوْ لَا الْحَيَاء .
وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاءً: يا أيها الذي نُزِّل عليه القرآن إنك لذاهب العقل، هلا تأتينا بالملائكة -إن كنت صادقًا-؛ لتشهد أن الله أرسلك.
"لَوْ مَا" هَلَّا "تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إنْ كُنْت مِنَ الصَّادِقِينَ" فِي قَوْلك إنَّك نَبِيّ وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآن مِنْ عِنْد اللَّه
" لَوْ مَا " أَيْ هَلَّا " تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ " أَيْ يَشْهَدُونَ لَك بِصِحَّةِ مَا جِئْت بِهِ كَمَا قَالَ فِرْعَوْن " فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَة مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَة مُقْتَرِنِينَ" " وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَة أَوْ نَرَى رَبّنَا لَقَدْ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسهمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْم يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بُشْرَى يَوْمئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا .
ثُمَّ طَلَبُوا مِنْهُ إِتْيَان الْمَلَائِكَة دَلَالَة عَلَى صِدْقه . وَ " لَوْمَا " تَحْضِيض عَلَى الْفِعْل كَلَوْلَا وَهَلَّا . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمِيم فِي " لَوْمَا " بَدَل مِنْ اللَّام فِي لَوْلَا . وَمِثْله اِسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْء وَاسْتَوْمَى عَلَيْهِ , وَمِثْله خَالَمْته وَخَالَلْته , فَهُوَ خِلِّي وَخِلْمِي ; أَيْ صَدِيقِي . وَعَلَى هَذَا يَجُوز " لَوْمَا " بِمَعْنَى الْخَبَر , تَقُول : لَوْمَا زَيْد لَضُرِبَ عَمْرو . قَالَ الْكِسَائِيّ : لَوْلَا وَلَوْمَا سَوَاء فِي الْخَبَر وَالِاسْتِفْهَام .

قَالَ اِبْن مُقْبِل : لَوْمَا الْحَيَاء وَلَوْمَا الدِّين عِبْتُكُمَا بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إِذْ عِبْتُمَا عَوَرِي يُرِيد لَوْلَا الْحَيَاء . وَحَكَى النَّحَّاس لَوْمَا وَلَوْلَا وَهَلَّا وَاحِد . وَأَنْشَدَ أَهْل اللُّغَة عَلَى ذَلِكَ : تَعُدُّونَ عَقْر النِّيب أَفْضَل مَجْدكُمْ بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا أَيْ هَلَّا تَعُدُّونَ الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا .
مشاركة الموضوع