تفسير الطبري

سورة الحجر الآية ٣

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَأْكُلُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَا هُمْ آكِلُوهُ , وَيَتَمَتَّعُوا مِنْ لَذَّاتهَا وَشَهَوَاتهمْ فِيهَا إِلَى أَجَلهمْ الَّذِي أَجَّلْت لَهُمْ , وَيُلْهِهِمْ الْأَمَل عَنْ الْأَخْذ بِحَظِّهِمْ مِنْ طَاعَة اللَّه فِيهَا وَتَزَوُّدهمْ لِمَعَادِهِمْ مِنْهَا بِمَا يُقَرِّبهُمْ مِنْ رَبّهمْ , فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ غَدًا إِذَا وَرَدُوا عَلَيْهِ وَقَدْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَشِرْكهمْ حِين يُعَايِنُونَ عَذَاب اللَّه أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ تَمَتُّعهمْ بِمَا كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا مِنْ اللَّذَّات وَالشَّهَوَات كَانُوا فِي خَسَار وَتَبَاب .
" ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " بلذاتهم " وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ " أي: يؤملون البقاء في الدنيا, فيلهيهم عن الآخرة.
" فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " أن ما هم عليه باطل, وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم, ولا يغتروا بإمهال الله تعالى, فإن هذه, سنته في الأمم.
اترك -أيها الرسول- الكفار يأكلوا، ويستمتعوا بدنياهم، ويشغلهم الطمع فيها عن طاعة الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم الخاسرة في الدنيا والآخرة.
"ذَرْهُمْ" اُتْرُكْ الْكُفَّار يَا مُحَمَّد "يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا" بِدُنْيَاهُمْ "وَيُلْهِهِمْ" يَشْغَلهُمْ "الْأَمَل" بِطُولِ الْعُمْر وَغَيْره عَنْ الْإِيمَان "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَاقِبَة أَمْرهمْ وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ
وَقَوْله " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " تَهْدِيد شَدِيد لَهُمْ وَوَعِيد أَكِيد كَقَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيركُمْ إِلَى النَّار " وَقَوْله " كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ " وَلِهَذَا قَالَ " وَيُلْهِهِمْ الْأَمَل" أَيْ عَنْ التَّوْبَة وَالْإِنَابَة " فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " أَيْ عَاقِبَة أَمْرهمْ .
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " تَهْدِيد لَهُمْ . " وَيُلْهِهِمْ الْأَمَل " أَيْ يَشْغَلهُمْ عَنْ الطَّاعَة . يُقَال : أَلْهَاهُ عَنْ كَذَا أَيْ شَغَلَهُ . وَلَهِيَ هُوَ عَنْ الشَّيْء يَلْهَى . " فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " إِذَا رَأَوْا الْقِيَامَة وَذَاقُوا وَبَال مَا صَنَعُوا . وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِالسَّيْفِ .

الثَّانِيَة : فِي مُسْنَد الْبَزَّار عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَعَة مِنْ الشَّقَاء جُمُود الْعَيْن وَقَسَاوَة الْقَلْب وَطُول الْأَمَل وَالْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا ) . وَطُول الْأَمَل دَاء عُضَال وَمَرَض مُزْمِن , وَمَتَى تَمَكَّنَ مِنْ الْقَلْب فَسَدَ مِزَاجه وَاشْتَدَّ عِلَاجه , وَلَمْ يُفَارِقهُ دَاء وَلَا نَجَحَ فِيهِ دَوَاء , بَلْ أَعْيَا الْأَطِبَّاء وَيَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء . وَحَقِيقَة الْأَمَل : الْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا وَالِانْكِبَاب عَلَيْهَا , وَالْحُبّ لَهَا وَالْإِعْرَاض عَنْ الْآخِرَة . وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( نَجَا أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة بِالْيَقِينِ وَالزُّهْد وَيَهْلِك آخِرهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَل ) . وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ عَلَى دَرَج مَسْجِد دِمَشْق فَقَالَ : ( يَا أَهْل دِمَشْق , أَلَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَخ لَكُمْ نَاصِح , إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ كَثِيرًا وَيَبْنُونَ مَشِيدًا وَيَأْمُلُونَ بَعِيدًا , فَأَصْبَحَ جَمْعهمْ بُورًا وَبُنْيَانهمْ قُبُورًا وَأَمَلهُمْ غُرُورًا . هَذِهِ عَاد قَدْ مَلَأَتْ الْبِلَاد أَهْلًا وَمَالًا وَخَيْلًا وَرِجَالًا , فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْيَوْم تَرِكَتهمْ بِدِرْهَمَيْنِ ! وَأَنْشَدَ : يَا ذَا الْمُؤَمِّل آمَالًا وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْهُ وَيَزْعُم أَنْ يَحْظَى بِأَقْصَاهَا أَنَّى تَفُوز بِمَا تَرْجُوهُ وَيَكَ وَمَا أَصْبَحْت فِي ثِقَة مِنْ نَيْل أَدْنَاهَا وَقَالَ الْحَسَن : ( مَا أَطَالَ عَبْد الْأَمَل إِلَّا أَسَاءَ الْعَمَل ) . وَصَدَقَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ! فَالْأَمَل يُكَسِّل عَنْ الْعَمَل وَيُورِث التَّرَاخِي وَالْتَوَانِي , وَيُعَقِّب التَّشَاغُل وَالتَّقَاعُس , وَيُخْلِد إِلَى الْأَرْض وَيُمِيل إِلَى الْهَوَى . وَهَذَا أَمْر قَدْ شُوهِدَ بِالْعِيَانِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَا يُطْلَب صَاحِبه بِبُرْهَانٍ ; كَمَا أَنَّ قِصَر الْأَمَل يَبْعَث عَلَى الْعَمَل , وَيُحِيل عَلَى الْمُبَادَرَة , وَيَحُثّ عَلَى الْمُسَابَقَة .
مشاركة الموضوع