تفسير الطبري

سورة الحجر الآية ٢٩

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ﴿٢٩﴾
يَقُول : فَإِذَا صَوَّرْته فَعَدَلْت صُورَته { وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي } فَصَارَ بَشَرًا حَيًّا ; { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } سُجُود تَحِيَّة وَتَكْرِمَة لَا سُجُود عِبَادَة . وَقَدْ : 16002 - حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُكْرِم , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا شُبَيْب بْن بِشْر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْمَلَائِكَة قَالَ : إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين , فَإِذَا أَنَا خَلَقْته فَاسْجُدُوا لَهُ ! فَقَالُوا : لَا نَفْعَل . فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ . وَخَلَقَ مَلَائِكَة أُخْرَى , فَقَالَ : إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين , فَإِذَا أَنَا خَلَقْته فَاسْجُدُوا لَهُ ! فَأَبَوْا , قَالَ : فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ . ثُمَّ خَلَقَ مَلَائِكَة أُخْرَى , فَقَالَ : إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين , فَإِذَا أَنَا خَلَقْته فَاسْجُدُوا لَهُ ! فَأَبَوْا , فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ . ثُمَّ خَلَقَ مَلَائِكَة , فَقَالَ : إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين , فَإِذَا أَنَا خَلَقْته فَاسْجُدُوا لَهُ ! فَقَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ الْأَوَّلِينَ .
فإذا سوَّيته وأكملت صورته ونفخت فيه الروح، فخُرُّوا له ساجدين سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة.
"فَإِذَا سَوَّيْته" أَتْمَمْته "وَنَفَخْت" أَجْرَيْت "فِيهِ مِنْ رُوحِي" فَصَارَ حَيًّا وَإِضَافَة الرُّوح إلَيْهِ تَشْرِيف لِآدَم "فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" سُجُود تَحِيَّة بِالِانْحِنَاءِ
وَقَدْ رَوَى اِبْن جَرِير هَهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا عَجِيبًا مِنْ حَدِيث شَبِيب بْن بِشْر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْمَلَائِكَة قَالَ " إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" قَالُوا لَا نَفْعَل فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ , ثُمَّ خَلَقَ مَلَائِكَة أُخْرَى فَقَالَ لَهُمْ مِثْل ذَلِكَ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَفِي ثُبُوت هَذَا عَنْهُ بُعْد وَالظَّاهِر أَنَّهُ إِسْرَائِيلِيّ وَاَللَّه أَعْلَم .
أَيْ سَوَّيْت خَلْقه وَصُورَته .



النَّفْخ إِجْرَاء الرِّيح فِي الشَّيْء . وَالرُّوح جِسْم لَطِيف , أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنْ يَخْلُق الْحَيَاة فِي الْبَدَن مَعَ ذَلِكَ الْجِسْم . وَحَقِيقَته إِضَافَة خَلْق إِلَى خَالِق ; فَالرُّوح خَلْق مِنْ خَلْقه أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا ; كَقَوْلِهِ : ( أَرْضِي وَسَمَائِي وَبَيْتِي وَنَاقَة اللَّه وَشَهْر اللَّه ) . وَمِثْله " وَرُوحٌ مِنْهُ " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " مُبَيَّنًا . وَذَكَرْنَا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) الْأَحَادِيث الْوَارِدَة الَّتِي تَدُلّ عَلَى أَنَّ الرُّوح جِسْم لَطِيف , وَأَنَّ النَّفْس وَالرُّوح اِسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِد . وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَمَنْ قَالَ إِنَّ الرُّوح هُوَ الْحَيَاة قَالَ أَرَادَ : فَإِذَا رُكِّبَتْ فِيهِ الْحَيَاة .



أَيْ خِرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ . وَهُوَ سُجُود تَحِيَّة وَتَكْرِيم لَا سُجُود عِبَادَة . وَلِلَّهِ أَنْ يُفَضِّل مَنْ يُرِيد ; فَفَضَّلَ الْأَنْبِيَاء عَلَى الْمَلَائِكَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَ الْقَفَّال : كَانُوا أَفْضَل مِنْ آدَم , وَامْتَحَنَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ تَعْرِيضًا لَهُمْ لِلثَّوَابِ الْجَزِيل . وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة . وَقِيلَ : أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِلَّهِ عِنْد آدَم , وَكَانَ آدَم قِبْلَة لَهُمْ .
مشاركة الموضوع