تفسير الطبري

سورة الحجر الآية ٢١

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَمَا مِنْ شَيْء مِنْ الْأَمْطَار إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ , لِكُلِّ أَرْض مَعْلُوم عِنْدنَا حَدّه وَمَبْلَغه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15943 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ رَجُل , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : مَا مِنْ أَرْض أَمْطَرَ مِنْ أَرْض , وَلَكِنَّ اللَّه يُقَدِّرهُ فِي الْأَرْض . ثُمَّ قَرَأَ : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم } * حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ أَبِي جُحَيْفَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : مَا مِنْ عَام بِأَمْطَرَ مِنْ عَام , وَلَكِنَّ اللَّه يَصْرِفهُ عَمَّنْ يَشَاء . ثُمَّ قَالَ : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه } * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مَهْدِيّ الْمِصِّيصِيّ , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ أَبِي جُحَيْفَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : مَا مِنْ عَام بِأَمْطَرَ مِنْ عَام , وَلَكِنَّ اللَّه يَقْسِمهُ حَيْثُ شَاءَ , عَامًا هَهُنَا وَعَامًا هَهُنَا . ثُمَّ قَرَأَ : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم } 15944 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم } قَالَ : الْمَطَر خَاصَّة . 15945 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الْحَكِيم بْن عُتَيْبَة , فِي قَوْله : { وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم } قَالَ : مَا مِنْ عَام بِأَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام وَلَا أَقَلّ , وَلَكِنَّهُ يُمْطَر قَوْم وَيُحْرَم آخَرُونَ , وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْبَحْر . قَالَ : وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَنْزِل مَعَ الْمَطَر مِنْ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنْ عَدَد وَلَد إِبْلِيس وَوَلَد آدَم يُحْصُونَ كُلّ قَطْرَة حَيْثُ تَقَع وَمَا تُنْبِت .
أي: جميع الأرزاق وأصناف الأقدار, لا يملكها أحد إلا الله.
فخزائنها بيده, يعطي من يشاء, ويمنع من يشاء, بحسب حكمته ورحمته الواسعة.
" وَمَا نُنَزِّلُهُ " أي: المقدر من كل شيء, من مطر وغيره.
" إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ " فلا يزيد على ما قدره الله, ولا ينقص منه.
وما من شيء من منافع العباد إلا عندنا خزائنه من جميع الصنوف، وما ننزله إلا بمقدار محدد كما نشاء وكما نريد، فالخزائن بيد الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، بحسب رحمته الواسعة، وحكمته البالغة.
"وَإِنْ" مَا "مِنْ" زَائِدَة "شَيْء إلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه" مَفَاتِيح خَزَائِنه "وَمَا نُنَزِّلهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم" عَلَى حَسَب الْمَصَالِح
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ مَالِك كُلّ شَيْء وَأَنَّ كُلّ شَيْء سَهْل عَلَيْهِ يَسِير لَدَيْهِ وَأَنَّ عِنْده خَزَائِن الْأَشْيَاء مِنْ جَمِيع الصُّنُوف " وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم " كَمَا يَشَاء كَمَا يُرِيد وَلِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالرَّحْمَة بِعِبَادِهِ لَا عَلَى جِهَة الْوُجُوب بَلْ هُوَ كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة . قَالَ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ أَبِي جُحَيْفَة عَنْ عَبْد اللَّه مَا مِنْ عَام بِأَمْطَرَ مِنْ عَام وَلَكِنَّ اللَّه يَقْسِمهُ بَيْنهمْ حَيْثُ شَاءَ عَامًا هَهُنَا وَعَامًا هَهُنَا ثُمَّ قَرَأَ " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه " الْآيَة . رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ الْحَكَم بْن عُيَيْنَة فِي قَوْله " وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم " قَالَ مَا عَام بِأَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام وَلَا أَقَلّ وَلَكِنَّهُ يُمْطَر قَوْم وَيُحْرَم آخَرُونَ بِمَا كَانَ فِي الْبَحْر قَالَ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَنْزِل مَعَ الْمَطَر مِنْ الْمَلَائِكَة أَكْثَر مِنْ عَدَد وَلَد إِبْلِيس وَوَلَد آدَم يُحْصُونَ كُلّ قَطْرَة حَيْثُ تَقَع وَمَا تُنْبِت وَقَالَ الْبَزَّار حَدَّثَنَا دَاوُدُ هُوَ اِبْن بُكَيْر حَدَّثَنَا حَيَّان بْن أَغْلَب بْن تَمِيم حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِشَام عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَزَائِن اللَّه الْكَلَام فَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ " ثُمَّ قَالَ لَا يَرْوِيه إِلَّا أَغْلَب وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ غَيْر وَاحِد مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا اِبْنه .
قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه " أَيْ وَإِنْ مِنْ شَيْء مِنْ أَرْزَاق الْخَلْق وَمَنَافِعهمْ إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه ; يَعْنِي الْمَطَر الْمُنَزَّل مِنْ السَّمَاء , لِأَنَّ بِهِ نَبَات كُلّ شَيْء . قَالَ الْحَسَن : الْمَطَر خَزَائِن كُلّ شَيْء . وَقِيلَ : الْخَزَائِن الْمَفَاتِيح , أَيْ فِي السَّمَاء مَفَاتِيح الْأَرْزَاق ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَالْمَعْنَى وَاحِد . " وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم " أَيْ وَلَكِنْ لَا نُنَزِّلهُ إِلَّا عَلَى حَسْب مَشِيئَتنَا وَعَلَى حَسْب حَاجَة الْخَلْق إِلَيْهِ ; كَمَا قَالَ : " وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء " [ الشُّورَى : 27 ] . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَغَيْرهمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَام أَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام , وَلَكِنَّ اللَّه يُقَسِّمهُ كَيْف شَاءَ , فَيُمْطَر قَوْم وَيُحْرَم آخَرُونَ , وَرُبَّمَا كَانَ الْمَطَر . فِي الْبِحَار وَالْقِفَار . وَالْخَزَائِن جَمْع الْخِزَانَة , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَسْتُر فِيهِ الْإِنْسَان مَا لَهُ وَالْخِزَانَة أَيْضًا مَصْدَر خَزَنَ يَخْزُن . وَمَا كَانَ فِي خِزَانَة الْإِنْسَان كَانَ مُعَدًّا لَهُ . فَكَذَلِكَ مَا يُقَدِّر عَلَيْهِ الرَّبّ فَكَأَنَّهُ مُعَدّ عِنْده ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَرَوَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّهُ قَالَ : فِي الْعَرْش مِثَال كُلّ شَيْء خَلَقَهُ اللَّه فِي الْبَرّ وَالْبَحْر . وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه " . وَالْإِنْزَال بِمَعْنَى الْإِنْشَاء وَالْإِيجَاد ; كَقَوْلِهِ : " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " وَقَوْله : " وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد " [ الْحَدِيد : 25 ] . وَقِيلَ : الْإِنْزَال بِمَعْنَى الْإِعْطَاء , وَسَمَّاهُ إِنْزَالًا لِأَنَّ أَحْكَام اللَّه إِنَّمَا تَنْزِل مِنْ السَّمَاء .
مشاركة الموضوع