تفسير الطبري

سورة الحجر الآية ١٦

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ﴿١٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا مَنَازِل لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر , وَهِيَ كَوَاكِب يُنْزِلهَا الشَّمْس وَالْقَمَر . { وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } يَقُول : وَزَيَّنَّا السَّمَاء بِالْكَوَاكِبِ لِمَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا وَأَبْصَرَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15921 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَّابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا } قَالَ : كَوَاكِب . 15922 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا } وَبُرُوجهَا : نُجُومهَا . 15923 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { بُرُوجًا } قَالَ : الْكَوَاكِب .
يقول تعالى - مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه: " ولقد جعلنا في السماء بروجا " أي: نجوما كالأبراج, والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر.
" وزيناها للناظرين " , فإنه لولا النجوم, لما كان للسماء هذا المنظر البهي, والهيئة العجيبة.
وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها, والنظر في معانيها, والاستدلال بها, على باريها.
ومن أدلة قدرتنا: أنا جعلنا في السماء الدنيا منازل للكواكب تنزل فيها، ويستدل بذلك على الطرقات والأوقات والخِصْب والجَدْب، وزَيَّنَّا هذه السماء بالنجوم لمن ينظرون إليها، ويتأملون فيعتبرون.
"وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا" اثْنَيْ عَشَر : الْحَمْل وَالثَّوْر وَالْجَوْزَاء وَالسَّرَطَان وَالْأَسَد وَالسُّنْبُلَة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب وَالْقَوْس وَالْجَدْي وَالدَّلْو وَالْحُوت وَهِيَ مَنَازِل الْكَوَاكِب السَّبْعَة السَّيَّارَة : الْمِرِّيخ وَلَهُ الْحَمْل وَالْعَقْرَب وَالزُّهْرَة وَلَهَا الثَّوْر وَالْمِيزَان وَعُطَارِد وَلَهُ الْجَوْزَاء وَالسُّنْبُلَة وَالْقَمَر وَلَهُ السَّرَطَان وَالشَّمْس وَلَهَا الْأَسَد وَالْمُشْتَرَى وَلَهُ الْقَوْس وَالْحُوت وَزُحَل وَلَهُ الْجَدْي وَالدَّلْو "وَزَيَّنَّاهَا" بِالْكَوَاكِبِ
يَذْكُر تَعَالَى خَلْقه السَّمَاء فِي اِرْتِفَاعهَا وَمَا زَيَّنَهَا بِهِ مِنْ الْكَوَاكِب الثَّوَابِت وَالسَّيَّارَات لِمَنْ تَأَمَّلَ وَكَرَّرَ النَّظَر فِيمَا يَرَى مِنْ الْعَجَائِب وَالْآيَات الْبَاهِرَات مَا يَحَار نَظَره فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة الْبُرُوج هَهُنَا هِيَ الْكَوَاكِب . " قُلْت " وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا " الْآيَة . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْبُرُوج هِيَ مَنَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ الْبُرُوج هَهُنَا هِيَ قُصُور فِيهَا الْحَرَس وَجَعَلَ الشُّهُب حَرَسًا لَهَا مِنْ مَرَدَة الشَّيَاطِين لِئَلَّا يَسَّمَعُوا إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى فَمَنْ تَمَرَّدَ وَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ لِاسْتِرَاقِ السَّمْع جَاءَهُ شِهَاب مُبِين فَأَتْلَفَهُ فَرُبَّمَا يَكُون قَدْ أَلْقَى الْكَلِمَة الَّتِي سَمِعَهَا أَنْ يُدْرِكهُ الشِّهَاب إِلَى الَّذِي هُوَ دُونه فَيَأْخُذهَا الْآخَر وَيَأْتِي بِهَا إِلَى وَلِيّه كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيح كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ . فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِذَا قَضَى اللَّه الْأَمْر فِي السَّمَاء ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَة عَلَى صَفْوَان" قَالَ عَلِيّ وَقَالَ غَيْره صَفْوَان يَنْفُذهُمْ ذَلِكَ " فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُوا " لِلَّذِي قَالَ " الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِير " فَيَسْمَعهَا مُسْتَرِقُو السَّمْع وَمُسْتَرِقُو السَّمْع هَكَذَا وَاحِد فَوْق آخَر وَوَصَفَ سُفْيَان بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْن أَصَابِع يَده الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضهَا فَوْق بَعْض فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَاب الْمُسْتَمِع قَبْل أَنْ يَرْمِي بِهَا إِلَى صَاحِبه فَيُحْرِقهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكهُ حَتَّى يَرْمِي بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيه إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَل مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْض وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَان حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْأَرْض فَتُلْقَى عَلَى فَم السَّاحِر أَوْ الْكَاهِن فَيَكْذِب مَعَهَا مِائَة كَذْبَة فَيُصَدَّق فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُخْبِرنَا يَوْم كَذَا وَكَذَا يَكُون كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاء .
لَمَّا ذَكَرَ كُفْر الْكَافِرِينَ وَعَجْز أَصْنَامهمْ ذَكَرَ كَمَال قُدْرَته لِيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيّته . وَالْبُرُوج : الْقُصُور وَالْمَنَازِل . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوج الشَّمْس وَالْقَمَر ; أَيْ مَنَازِلهمَا . وَأَسْمَاء هَذِهِ الْبُرُوج : الْحَمَل , وَالثَّوْر , وَالْجَوْزَاء , وَالسَّرَطَان , وَالْأَسَد , وَالسُّنْبُلَة , وَالْمِيزَان , وَالْعَقْرَب , وَالْقَوْس , وَالْجَدْي , وَالدَّلْو , وَالْحُوت . وَالْعَرَب تَعُدّ الْمَعْرِفَة لِمَوَاقِع النُّجُوم وَأَبْوَابهَا مِنْ أَجَلّ الْعُلُوم , وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الطُّرُقَات وَالْأَوْقَات وَالْخِصْب وَالْجَدْب . وَقَالُوا : الْفَلَك اِثْنَا عَشَر بُرْجًا , كُلّ بُرْج مِيلَانِ وَنِصْف . وَأَصْل الْبُرُوج الظُّهُور وَمِنْهُ تَبَرُّج الْمَرْأَة بِإِظْهَارِ زِينَتهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي النِّسَاء . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة : الْبُرُوج النُّجُوم , وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِهَا . وَارْتِفَاعهَا . وَقِيلَ : الْكَوَاكِب الْعِظَام ; قَالَهُ أَبُو صَالِح : يَعْنِي السَّبْعَة السَّيَّارَة . وَقَالَ قَوْم : " بُرُوجًا " ; أَيْ قُصُورًا وَبُيُوتًا فِيهَا الْحَرَس , خَلَقَهَا اللَّه فِي السَّمَاء . فَاَللَّه أَعْلَم . " وَزَيَّنَّاهَا " يَعْنِي السَّمَاء ; كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْمُلْك : " وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيح " [ الْمُلْك : 5 ] . " لِلنَّاظِرِينَ " لِلْمُعْتَبِرِينَ وَالْمُتَفَكِّرِينَ .
مشاركة الموضوع