تفسير الطبري

سورة إبراهيم الآية ٤٥

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ﴿٤٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَال } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَكَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا فِي مَسَاكِن الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ , فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أَنْفُسهمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي كَانَتْ قَبْلكُمْ . { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } يَقُول : وَعَلِمْتُمْ كَيْفَ أَهْلَكْنَاهُمْ حِين عَتَوْا عَلَى رَبّهمْ وَتَمَادَوْا فِي طُغْيَانهمْ وَكُفْرهمْ . { وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَال } يَقُول : وَمَثَّلْنَا لَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ مُقِيمِينَ الْأَشْبَاه , فَلَمْ تُنِيبُوا وَلَمْ تَتُوبُوا مِنْ كُفْركُمْ , فَالْآن تَسْأَلُونَ التَّأْخِير لِلتَّوْبَةِ حِين نَزَلَ بِكُمْ مَا قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْعَذَاب , إِنَّ ذَلِكَ لَغَيْر كَائِن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْل أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15811 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَقُول : سَكَنَ النَّاس فِي مَسَاكِن قَوْم نُوح وَعَاد وَثَمُود , وَقُرُون بَيْن ذَلِكَ كَثِيرَة مِمَّنْ هَلَكَ مِنْ الْأُمَم . { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَال } قَدْ وَاَللَّه بَعَثَ رُسُله , وَأَنْزَلَ كُتُبه , ضَرَبَ لَكُمْ الْأَمْثَال , فَلَا يَصَمّ فِيهَا إِلَّا أَصَمّ , وَلَا يَخِيب فِيهَا إِلَّا الْخَائِب , فَاعْقِلُوا عَنْ اللَّه أَمْره . 15812 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } قَالَ : سَكَنُوا فِي قُرَاهُمْ مَدْيَن وَالْحِجْر وَالْقُرَى الَّتِي عَذَّبَ اللَّه أَهْلهَا , وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلَ اللَّه بِهِمْ , وَضَرَبَ لَهُمْ الْأَمْثَال . 15813 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبَى نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الْأَمْثَال } قَالَ : الْأَشْبَاه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .
بل " وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ " من أنواع العقوبات؟ وكيف أحل الله بهم العقوبات, حين كذبوا بالآيات البينات, وضربنا لكم الأمثال الواضحة التي لا تدع أدنى شك في القلب إلا أزالته.
فلم تنفع فيكم تلك الآيات, بل أعرضتم, ودمتم على باطلكم, حتى صار ما صار: ووصلتم إلى هذا اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار, من اعتذر بباطل.
وحللتم في مساكن الكافرين السابقين الذين ظلموا أنفسهم كقوم هود وصالح، وعلمتم -بما رأيتم وأُخبرتم- ما أنزلناه بهم من الهلاك، وضربنا لكم الأمثال في القرآن، فلم تعتبروا؟
"وَسَكَنْتُمْ" فِيهَا "فِي مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ" بِالْكُفْرِ مِنْ الْأُمَم السَّابِقَة "وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ" مِنْ الْعُقُوبَة فَلَمْ تَنْزَجِرُوا "وَضَرَبْنَا" بَيَّنَّا "لَكُمُ الْأَمْثَال" فِي الْقُرْآن فَلَمْ تَعْتَبِرُوا
وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَالَ " أَيْ قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَة قَبْلَكُمْ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَر وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ لَكُمْ مُزْدَجَر " حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ " .
أَيْ فِي بِلَاد ثَمُود وَنَحْوهَا فَهَلَّا اِعْتَبَرْتُمْ بِمَسَاكِنِهِمْ , بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ مَا فَعَلْنَا بِهِمْ , وَبَعْد أَنْ ضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَال فِي الْقُرْآن . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ " وَنُبَيِّن لَكُمْ " بِنُونٍ وَالْجَزْم عَلَى أَنَّهُ مُسْتَقْبَل وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي ; وَلِيُنَاسِب قَوْله : " كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ " . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة , " وَتَبَيَّنَ " وَهِيَ مِثْلهَا فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُبَيَّن لَهُمْ إِلَّا بِتَبْيِينِ اللَّه إِيَّاهُمْ .
مشاركة الموضوع