تفسير الطبري

سورة إبراهيم الآية ١٩

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ﴿١٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِعَيْنِ قَلْبك , فَتَعْلَم أَنَّ اللَّه أَنْشَأَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ مُنْفَرِدًا بِإِنْشَائِهَا بِغَيْرِ ظَهِير وَلَا مُعِين . { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد } يَقُول : إِنَّ الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِ ذَلِكَ وَإِنْشَائِهِ مِنْ غَيْر مُعِين وَلَا شَرِيك , إِنْ هُوَ شَاءَ أَنْ يُذْهِبكُمْ فَيُفْنِيكُمْ أَذْهَبَكُمْ وَأَفْنَاكُمْ , وَيَأْتِ بِخَلْقٍ آخَر سِوَاكُمْ مَكَانكُمْ , فَيُجَدِّد خَلْقهمْ .
ينبه تعالى عباده بأن " اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ " أي: ليعبده الخلق ويعرفوه, ويأمرهم وينهاهم, وليستدلوا بهما, وما فيهما, على ما له, من صفات الكمال.
وليعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض - على عظمهما وسعتهما - قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا, ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم, وأن قدرته ومشيئته, لا تقصر عن ذلك, ولهذا قال: " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ " .
يحتمل أن المعنى: إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم, يكونون أطوع لله منكم.
ويحتمل أن المراد: إن يشأ يفنيكم, ثم يعيدكم بالبعث خلقا جديدا.
ويدل على هذا الاحتمال, ما ذكره بعده, من أحوال يوم القيامة.
ألم تعلم أيها المخاطب -والمراد عموم الناس- أن الله أوجد السموات والأرض على الوجه الصحيح الدال على حكمته، وأنه لم يخلقهما عبثًا، بل للاستدلال بهما على وحدانيته، وكمال قدرته، فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا؟ إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يطيعون الله.
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر يَا مُخَاطَب اسْتِفْهَام تَقْرِير "أَنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِخَلَقَ "إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ" أَيّهَا النَّاس "وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد" بَدَلكُمْ
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى مَعَاد الْأَبْدَانِ يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض الَّتِي هِيَ أَكْبَر مِنْ خَلْق النَّاس أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ السَّمَاوَات فِي اِرْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَعَظَمَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْكَوَاكِب الثَّوَابِت وَالسَّيَّارَات وَالْحَرَكَات الْمُخْتَلِفَات وَالْآيَات الْبَاهِرَات وَهَذِهِ الْأَرْض بِمَا فِيهَا مِنْ مِهَاد وَوِهَاد وَأَوْتَاد وَبَرَارٍ وَصَحَارٍ وَقِفَار وَبِحَار وَأَشْجَار وَنَبَات وَحَيَوَان عَلَى اِخْتِلَاف أَصْنَافهَا وَمَنَافِعهَا وَأَشْكَالهَا وَأَلْوَانهَا " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير " وَقَالَ تَعَالَى" أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقه قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّل مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيم إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " .
الرُّؤْيَة هُنَا رُؤْيَة الْقَلْب ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمك إِلَيْهِ ; . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ - " خَالِق السَّمَوَات وَالْأَرْض " . وَمَعْنَى " بِالْحَقِّ " لِيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى قُدْرَته .


أَيّهَا النَّاس ; أَيْ هُوَ قَادِر عَلَى الْإِفْنَاء كَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَاد الْأَشْيَاء ; فَلَا تَعْصُوهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُ " يُذْهِبكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد " أَفْضَل وَأَطْوَع مِنْكُمْ ; إِذْ لَوْ كَانُوا مِثْل الْأَوَّلِينَ فَلَا فَائِدَة فِي الْإِبْدَال .
مشاركة الموضوع