خَاطَبُوهُ بِاسْمِ الْعَزِيز إِذْ كَانَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة بِعَزْلِ الْأَوَّل أَوْ مَوْته . وَقَوْلهمْ : " إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا " أَيْ كَبِير الْقَدْر , وَلَمْ يُرِيدُوا كِبَر السِّنّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوف مِنْ حَال الشَّيْخ . " فَخُذْ أَحَدنَا مَكَانه " أَيْ عَبْدًا بَدَله ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا مَجَاز ; لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَصِحّ أَخْذ حُرّ يُسْتَرَقّ بَدَل مَنْ قَدْ أَحْكَمَتْ السُّنَّة عِنْدهمْ رِقّه ; وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا تَقُول لِمَنْ تَكْرَه فِعْله : اُقْتُلْنِي وَلَا تَفْعَل كَذَا وَكَذَا , وَأَنْتَ لَا تُرِيد أَنْ يَقْتُلك , وَلَكِنَّك مُبَالِغ فِي اِسْتِنْزَاله . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلهمْ : " فَخُذْ أَحَدنَا مَكَانَهُ " حَقِيقَة ; وَبَعِيد عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَنْبِيَاء أَنْ يَرَوْا اِسْتِرْقَاق حُرّ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيق الْحَمَالَة ; أَيْ خُذْ أَحَدنَا مَكَانه . حَتَّى يَنْصَرِف إِلَيْك صَاحِبك ; وَمَقْصِدهمْ بِذَلِكَ أَنْ يَصِل بِنْيَامِين إِلَى أَبِيهِ ; وَيَعْرِف يَعْقُوب جَلِيَّة الْأَمْر ; فَمَنَعَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ ذَلِكَ , إِذْ الْحَمَالَة فِي الْحُدُود وَنَحْوهَا - بِمَعْنَى إِحْضَار الْمَضْمُون فَقَطْ - جَائِزَة مَعَ التَّرَاضِي , غَيْر لَازِمَة إِذَا أَبَى الطَّالِب ; وَأَمَّا الْحَمَالَة فِي مِثْل هَذَا عَلَى أَنْ يَلْزَم الْحَمِيل مَا كَانَ يَلْزَم الْمَضْمُون مِنْ عُقُوبَة , فَلَا يَجُوز إِجْمَاعًا . وَفِي " الْوَاضِحَة " : إِنَّ الْحَمَالَة فِي الْوَجْه فَقَطْ فِي جَمِيع الْحُدُود جَائِزَة , إِلَّا فِي النَّفْس . وَجُمْهُور الْفُقَهَاء عَلَى جَوَاز الْكَفَالَة فِي النَّفْس . وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ الشَّافِعِيّ ; فَمَرَّة ضَعَّفَهَا , وَمَرَّة أَجَازَهَا .
يَحْتَمِل أَنْ يُرِيدُوا وَصْفه بِمَا رَأَوْا مِنْ إِحْسَانه فِي جَمِيع أَفْعَاله مَعَهُمْ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيدُوا : إِنَّا نَرَى لَك إِحْسَانًا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْيَد إِنْ أَسْدَيْتهَا إِلَيْنَا ; وَهَذَا تَأْوِيل اِبْن إِسْحَاق .