تفسير الطبري

سورة هود الآية ٩٣

وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ﴿٩٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم اِعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ إِنِّي عَامِل سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل شُعَيْب لِقَوْمِهِ : { وَيَا قَوْم اِعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ } يَقُول : عَلَى تَمَكُّنكُمْ , يُقَال مِنْهُ : الرَّجُل يَعْمَل عَلَى مَكِينَته وَمَكِنَته : أَيْ عَلَى اِتِّئَاده , وَمَكُنَ الرَّجُل يَمْكُن مَكْنًا وَمَكَانَة وَمَكَانًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل يَقُول فِي مَعْنَى قَوْله : { عَلَى مَكَانَتكُمْ } عَلَى مَنَازِلكُمْ . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَيَا قَوْم اِعْمَلُوا عَلَى تَمَكُّنكُمْ مِنْ الْعَمَل الَّذِي تَعْمَلُونَهُ , { إِنِّي عَامِل } عَلَى تُؤَدَة مِنْ الْعَمَل الَّذِي أَعْمَلهُ , { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } أَيّنَا الْجَانِي عَلَى نَفْسه وَالْمُخْطِئ عَلَيْهَا وَالْمُصِيب فِي فِعْله الْمُحْسِن إِلَى نَفْسه .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يَأْتِيه عَذَاب يُخْزِيه وَمَنْ هُوَ كَاذِب وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيب } عِ يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل نَبِيّه شُعَيْب لِقَوْمِهِ : الَّذِي يَأْتِيه مِنَّا وَمِنْكُمْ أَيّهَا الْقَوْم { عَذَاب يُخْزِيه } يَقُول : يُذِلّهُ وَيُهِينهُ , { وَمَنْ هُوَ كَاذِب } يَقُول : وَيُخْزِي أَيْضًا الَّذِي هُوَ كَاذِب فِي قِيله وَخَبَره مِنَّا وَمِنْكُمْ . { وَارْتَقِبُوا } أَيْ اِنْتَظِرُوا وَتَفَقَّدُوا مِنْ الرِّقْبَة , يُقَال مِنْهُ : رَقَبْت فُلَانًا أَرْقُبهُ رِقْبَة . وَقَوْله : { إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيب } يَقُول : إِنِّي أَيْضًا ذُو رِقْبَة لِذَلِكَ الْعَذَاب مَعَكُمْ , وَنَاظِر إِلَيْهِ بِمَنْ هُوَ نَازِل مِنَّا وَمِنْكُمْ .
ولما أعيوه وعجز عنهم قال: " يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ " أي.
على حالتكم ودينكم.
" إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ " ويحل عليه عذاب مقيم " وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ " أنا أم أنتم, وقد علموا بذلك ذلك حين وقع عليهم العذاب.
" وَارْتَقِبُوا " ما يحل بي " إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ " ما يحل بكم.
ويا قوم اعملوا كل ما تستطيعون على طريقتكم وحالتكم، إني عامل مثابر على طريقتي وما وهبني ربي مِن دعوتكم إلى التوحيد، سوف تعلمون مَن منا يأتيه عذاب يذلُّه، ومَن منا كاذب في قوله، أنا أم أنتم؟ وانتظروا ما سيحل بكم إني معكم من المنتظرين. وهذا تهديد شديد لهم.
"وَيَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ" حَالَتكُمْ "إنِّي عَامِل" عَلَى حَالَتِي "سَوْف تَعْلَمُونَ مَنْ" مَوْصُولَة مَفْعُول الْعِلْم "يَأْتِيه عَذَاب يُخْزِيه وَمَنْ هُوَ كَاذِب وَارْتَقِبُوا" انْتَظِرُوا عَاقِبَة أَمْركُمْ "إنِّي مَعَكُمْ رَقِيب" مُنْتَظِر
لَمَّا يَئِسَ نَبِيّ اللَّه شُعَيْب مِنْ اِسْتِجَابَتهمْ لَهُ قَالَ يَا قَوْم " اِعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ " أَيْ طَرِيقَتكُمْ وَهَذَا تَهْدِيد شَدِيد " إِنِّي عَامِل " عَلَى طَرِيقَتِي " سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيه عَذَاب يُخْزِيه وَمَنْ هُوَ كَاذِب " أَيْ مِنِّي وَمِنْكُمْ " وَارْتَقِبُوا " أَيْ اِنْتَظِرُوا " إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيب " .
تَهْدِيد وَوَعِيد ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَنْعَام " .


أَيْ يُهْلِكهُ . و " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , مِثْل " يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " [ الْبَقَرَة : 220 ] .


عَطْف عَلَيْهَا . وَقِيلَ : أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِب مِنَّا . وَقِيلَ : فِي مَحَلّ رَفْع ; تَقْدِيره : وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِب . وَقِيلَ : تَقْدِيره وَمَنْ هُوَ كَاذِب فَسَيُعْلَمُ كَذِبه , وَيَذُوق وَبَال أَمْره . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا ب " هُوَ " فِي " وَمَنْ هُوَ كَاذِب " لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِم ; إِنَّمَا يَقُولُونَ : مَنْ قَامَ , وَمَنْ يَقُوم , وَمَنْ الْقَائِم ; فَزَادُوا " هُوَ " لِيَكُونَ جُمْلَة تَقُوم مَقَام فَعَلَ وَيَفْعَل . قَالَ النَّحَّاس : وَيَدُلّ عَلَى خِلَاف هَذَا قَوْله : مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ضِقْت ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَاب



أَيْ اِنْتَظِرُوا الْعَذَاب وَالسَّخْطَة ; فَإِنِّي مُنْتَظِر النَّصْر وَالرَّحْمَة .
مشاركة الموضوع