تفسير الطبري

سورة هود الآية ٢١

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ , هُمْ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسهمْ حُظُوظهَا مِنْ رَحْمَة اللَّه .

{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وَبَطَلَ كَذِبهمْ وَإِفْكهمْ وَفِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه بِادِّعَائِهِمْ لَهُ شُرَكَاء , فَسَلَكَ مَا كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه غَيْر مَسْلَكهمْ , وَأَخَذَ طَرِيقًا غَيْر طَرِيقهمْ , فَضَلَّ عَنْهُمْ , لِأَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّم , وَصَارَتْ آلَتهمْ عَدَمًا لَا شَيْء , لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا حِجَارَة أَوْ خَشَبًا أَوْ نُحَاسًا , أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا , فَسَلَكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّة , وَذَلِكَ أَيْضًا غَيْر مَسْلَكهمْ , وَذَلِكَ أَيْضًا ضَلَال عَنْهُمْ .
" أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " حيث فوتوها, أعظم الثواب, واستحقوا أشد العذاب.
" وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ " أي: اضمحل دينهم, الذي يدعون إليه ويحسنونه, ولم تغن عنهم آلهتم, التي يعبدون من دون الله, لما جاء أمر ربك.
أولئك الذين خسروا أنفسهم بافترائهم على الله، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدَّعون أنها تشفع لهم.
"أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" لِمَصِيرِهِمْ إلَى النَّار الْمُؤَبَّدَة عَلَيْهِمْ "وَضَلَّ" غَابَ "عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" عَلَى اللَّه مِنْ دَعْوَى الشَّرِيك
أَيْ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ لِأَنَّهُمْ أُدْخِلُوا نَارًا حَامِيَة فَهُمْ مُعَذَّبُونَ فِيمَا لَا يَفْتُر عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا طَرْفَة عَيْن كَمَا قَالَ تَعَالَى " كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا" " وَضَلَّ عَنْهُمْ " أَيْ ذَهَبَ عَنْهُمْ " مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" مِنْ دُون اللَّه مِنْ الْأَنْدَاد وَالْأَصْنَام فَلَمْ تُجْدِ عَنْهُمْ شَيْئًا بَلْ ضَرَّتهمْ كُلّ الضَّرَر كَمَا قَالَ تَعَالَى " إِذَا حُشِرَ النَّاس كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ" وَقَالَ تَعَالَى " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه آلِهَة لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا " وَقَالَ الْخَلِيل لِقَوْمِهِ " إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُون اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّة بَيْنكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكْفُر بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَن بَعْضكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّار وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ " وَقَوْله" إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَاب إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الدَّالَّة عَلَى خَسْرهمْ وَدَمَارهمْ .
اِبْتِدَاء وَخَبَر .


أَيْ ضَاعَ عَنْهُمْ اِفْتِرَاؤُهُمْ وَتَلِفَ .
مشاركة الموضوع