تفسير الطبري

سورة هود الآية ١٢٣

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَيْهِ يُرْجَع الْأَمْر كُلّه فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلَّهِ يَا مُحَمَّد مُلْك كُلّ مَا غَابَ عَنْك فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض , فَلَمْ تَطَّلِع عَلَيْهِ وَلَمْ تَعْلَمهُ , كُلّ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَبِعِلْمِهِ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , وَهُوَ عَالِم بِمَا يَعْمَلهُ مُشْرِكُو قَوْمك وَمَا إِلَيْهِ مَصِير أَمْرهمْ مِنْ إِقَامَة عَلَى الشِّرْك أَوْ إِقْلَاع عَنْهُ وَتَوْبَة . { وَإِلَيْهِ يُرْجَع الْأَمْر كُلّه } يَقُول : وَإِلَى اللَّه مَعَاد كُلّ عَامِل وَعَمَله , وَهُوَ مُجَازٍ جَمِيعهمْ بِأَعْمَالِهِمْ . كَمَا : 14429 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَإِلَيْهِ يُرْجَع الْأَمْر كُلّه } قَالَ : فَيَقْضِي بَيْنهمْ بِحُكْمِهِ بِالْعَدْلِ . يَقُول : { فَاعْبُدْهُ } يَقُول : فَاعْبُدْ رَبّك يَا مُحَمَّد , { وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } يَقُول : وَفَوِّضْ أَمْرك إِلَيْهِ وَثِقْ بِهِ وَبِكِفَايَتِهِ , فَإِنَّهُ كَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ

وَقَوْله : { وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا رَبّك يَا مُحَمَّد بِسَاهٍ عَمَّا يَعْمَل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك , بَلْ هُوَ مُحِيط بِهِ لَا يَعْزُب عَنْهُ شَيْء مِنْهُ , وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , فَلَا يَحْزُنك إِعْرَاضهمْ عَنْك وَلَا تَكْذِيبهمْ بِمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ , وَامْضِ لِأَمْرِ رَبّك فَإِنَّك بِأَعْيُنِنَا . 14430 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح , عَنْ كَعْب , قَالَ : خَاتِمَة التَّوْرَاة , خَاتِمَة هُود .
" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: ما غاب فيهما, من الخفايا, والأمور الغيبية.
" وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ " من الأعمال والعمال, فيميز الخبيث من الطيب.
" فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " أي: قم بعبادته, وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه, وتوكل على الله في ذلك.
" وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " من الخير والشر, بل قد أحاط علمه بذلك, وجرى به قلمه, وسيجري عليه حكمه, وجزاؤه.
تم تفسير سورة هود والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وسلم وكان الفراغ من نسخه في يوم السبت في 21 من شهر ربيع الآخر سنة 1347
ولله سبحانه وتعالى علم كل ما غاب في السموات والأرض، وإليه يُرْجَع الأمر كله يوم القيامة، فاعبده -أيها النبي- وفوِّض أمرك إليه، وما ربك بغافل عما تعملون من الخير والشر، وسيجازي كلاًّ بعمله.
"وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ عِلْم مَا غَابَ فِيهِمَا "وَإِلَيْهِ يَرْجِع" بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ يَعُود وَلِلْمَفْعُولِ يُرَدّ "الْأَمْر كُلّه" فَيَنْتَقِم مِمَّنْ عَصَى "فَاعْبُدْهُ" وَحْده "وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ" ثِقْ بِهِ فَإِنَّهُ كَافِيك "وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" وَإِنَّمَا يُؤَخِّرهُمْ لِوَقْتِهِمْ وَفِي قِرَاءَة بِالْفَوْقَانِيَّةِ
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ عَالِم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنَّهُ إِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب وَسَيُؤْتِي كُلّ عَامِل عَمَله يَوْم الْحِسَاب فَلَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر ; فَأَمَرَ تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَقَوْله " وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " أَيّ لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ مُكَذِّبُوك يَا مُحَمَّد بَلْ هُوَ عَلِيم بِأَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالهمْ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاء فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَة وَسَيَنْصُرُك وَحِزْبك عَلَيْهِمْ فِي الدَّارَيْنِ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب عَنْ جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح عَنْ كَعْب قَالَ خَاتِمَة التَّوْرَاة خَاتِمَة هُود . آخِر تَفْسِير سُورَة هُود عَلَيْهِ السَّلَام وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
أَيْ غَيْبهمَا وَشَهَادَتهمَا ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خَزَائِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ الضَّحَّاك : جَمِيع مَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد فِيهِمَا . وَقَالَ الْبَاقُونَ : غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض نُزُول الْعَذَاب مِنْ السَّمَاء وَطُلُوعه مِنْ الْأَرْض . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ : " وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض " أَيْ عَلِمَ مَا غَابَ فِيهِمَا ; أَضَافَ الْغَيْب وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول تَوَسُّعًا ; لِأَنَّهُ حَذَفَ حَرْف الْجَرّ ; تَقُول : غِبْت فِي الْأَرْض وَغِبْت بِبَلَدِ كَذَا .



أَيْ يَوْم الْقِيَامَة , إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَمْر إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص " يُرْجَع " بِضَمِّ الْيَاء وَبِفَتْحِ الْجِيم ; أَيْ يُرَدّ .



أَيْ إِلْجَأْ إِلَيْهِ وَثِقْ بِهِ .



أَيْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام وَحَفْص بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَة . الْبَاقُونَ بِيَاءٍ عَلَى الْخَبَر . قَالَ الْأَخْفَش سَعِيد : " يَعْمَلُونَ " إِذَا لَمْ يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ ; قَالَ : بَعْضهمْ وَقَالَ : " تَعْمَلُونَ " بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ خَاطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : قُلْ لَهُمْ " وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : خَاتِمَة التَّوْرَاة خَاتِمَة " هُود " مِنْ قَوْله : " وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض " إِلَى آخِر السُّورَة . تَمُتْ سُورَة هُود وَيَتْلُوهَا سُورَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام .
مشاركة الموضوع