تفسير الطبري

سورة التكاثر الآية ٧

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ ﴿٧﴾
وَقَوْله : { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار : { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم } بِفَتْحِ التَّاء مِنْ { لَتَرَوُنَّ } فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا , وَقَرَأَ ذَلِكَ الْكِسَائِيّ بِضَمِّ التَّاء مِنْ الْأُولَى , وَفَتْحهَا مِنْ الثَّانِيَة. وَالصَّوَاب عِنْدنَا فِي ذَلِكَ الْفَتْح فِيهِمَا كِلَيْهِمَا , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : لَتَرَوُنَّ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة , ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عِيَانًا لَا تَغِيبُونَ عَنْهَا . كَمَا : 29317 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْن الْيَقِين } يَعْنِي : أَهْل الشِّرْك .
ثم لتبصرنها دون ريب,
ما هكذا ينبغي أن يلهيكم التكاثر بالأموال، لو تعلمون حق العلم لانزجرتم، ولبادرتم إلى إنقاذ أنفسكم من الهلاك. لتبصرُنَّ الجحيم، ثم لتبصرُنَّها دون ريب، ثم لتسألُنَّ يوم القيامة عن كل أنواع النعيم.
" ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا " تَأْكِيد " عَيْن الْيَقِين " مَصْدَر لِأَنَّ رَأَى وَعَايَنَ بِمَعْنًى وَاحِد
ثُمَّ قَالَ " لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْن الْيَقِين " هَذَا تَفْسِير الْوَعِيد الْمُتَقَدِّم وَهُوَ قَوْله " كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ " تَوَعَّدَهُمْ بِهَذَا الْحَال وَهُوَ رُؤْيَة أَهْل النَّار الَّتِي إِذَا زَفَرَتْ زَفْرَة وَاحِدَة خَرَّ كُلّ مَلَك مُقَرَّب وَنَبِيّ مُرْسَل عَلَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْمَهَابَة وَالْعَظَمَة وَمُعَايَنَة الْأَهْوَال عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَر الْمَرْوِيّ فِي ذَلِكَ .
أَيْ مُشَاهَدَة . وَقِيلَ : هُوَ إِخْبَار عَنْ دَوَام مَقَامهمْ فِي النَّار ; أَيْ هِيَ رُؤْيَة دَائِمَة مُتَّصِلَة . وَالْخِطَاب عَلَى هَذَا لِلْكُفَّارِ . وَقِيلَ : مَعْنَى " لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْم الْيَقِين " أَيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الْيَوْم فِي الدُّنْيَا عِلْم الْيَقِين فِيمَا أَمَامكُمْ , مِمَّا وَصَفْت : " لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم " بِعُيُونِ قُلُوبكُمْ ; فَإِنَّ عِلْم الْيَقِين يُرِيك الْجَحِيم بِعَيْنِ فُؤَادك ; وَهُوَ أَنْ تُتَصَوَّر لَك تَارَات الْقِيَامَة , وَقَطْع مَسَافَاتهَا . " ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْن الْيَقِين " : أَيْ عِنْد الْمُعَايَنَة بِعَيْنِ الرَّأْس , فَتَرَاهَا يَقِينًا , لَا تَغِيب عَنْ عَيْنك . " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم " : فِي مَوْقِف السُّؤَال وَالْعُرْف .
مشاركة الموضوع