تفسير الطبري

سورة يونس الآية ١٠٠

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١٠٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ خَلَقْتهَا مِنْ سَبِيل إِلَى تَصْدِيقَك يَا مُحَمَّد إِلَّا بِإِذْنِ أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ , فَلَا تُجْهِدَنَّ نَفْسَك فِي طَلَب هُدَاهَا , وَبَلِّغْهَا وَعِيدَ اللَّه وَعَرِّفْهَا مَا أَمَرَك رَبّك بِتَعْرِيفِهَا , ثُمَّ خَلِّهَا , فَإِنَّ هُدَاهَا بِيَدِ خَالِقهَا . وَكَانَ الثَّوْرِيّ يَقُول فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } مَا : 13857 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَالَ : بِقَضَاءِ اللَّه .

وَأَمَّا قَوْله : { وَيَجْعَل الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } فَإِنَّهُ يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه لِلْإِيمَانِ بِك يَا مُحَمَّد , وَيَأْذَن لَهُ فِي تَصْدِيقك فَيُصَدِّقك وَيَتَّبِعك , وَيُقِرّ بِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك , وَيَجْعَل الرِّجْس , وَهُوَ الْعَذَاب , وَغَضَب اللَّه عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ; يَعْنِي الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه حُجَجه وَمَوَاعِظه وَآيَاته الَّتِي دَلَّ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقِيقَة مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَخَلْع الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان . 13858 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَيَجْعَل الرِّجْسَ } قَالَ : السَّخَط .
" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ " بإرادته ومشيئته, وإذنه القدري الشرعي.
فمن كان من الخلق قابلا لذلك, ويزكو عنده الإيمان, وفقه وهداه.
" وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ " أي: الشر والضلال " عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ " عن الله أوامره ونواهيه, ولا يلقوا بالا لنصائحه ومواعظه:
وما كان لنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه وتوفيقه، فلا تُجهد نفسك في ذلك، فإن أمرهم إلى الله. ويجعل الله العذاب والخزي على الذين لا يعقلون أمره ونهيه.
"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إلَّا بِإِذْنِ اللَّه" بِإِرَادَتِهِ "وَيَجْعَل الرِّجْس" الْعَذَاب "عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ" يَتَدَبَّرُونَ آيَات اللَّه
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه وَيَجْعَل الرِّجْس " وَهُوَ الْخَبَال وَالضَّلَال " عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ " أَيْ حُجَج اللَّه وَأَدِلَّته وَهُوَ الْعَادِل فِي كُلّ ذَلِكَ فِي هِدَايَة مَنْ هَدَى وَإِضْلَال مَنْ ضَلَّ .
" مَا " نَفْي ; أَيْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْمِن نَفْس إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقَدَره وَمَشِيئَته وَإِرَادَته .


وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل " وَنَجْعَل " بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيم . وَالرِّجْس : الْعَذَاب ; بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ .


أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَنَهْيه .
مشاركة الموضوع