تفسير السعدي

سورة الضحى الآية ٦

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ﴿٦﴾
ألم يجدك من قبل يتيما, فآواك ورعاك,
ألم يَجِدْك من قبلُ يتيمًا، فآواك ورعاك؟ ووجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال؟ ووجدك فقيرًا، فساق لك رزقك، وأغنى نفسك بالقناعة والصبر؟
" أَلَمْ يَجِدك " اِسْتِفْهَام تَقْرِير أَيْ وَجَدَك " يَتِيمًا " بِفَقْدِ أَبِيك قَبْل وِلَادَتك أَوْ بَعْدهَا " فَآوَى " بِأَنْ ضَمَّك إِلَى عَمّك أَبِي طَالِب
" أَلَمْ يَجِدك يَتِيمًا فَآوَى" وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ حَمْل فِي بَطْن أُمّه وَقِيلَ بَعْد أَنْ وُلِدَ عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمّه آمِنَة بِنْت وَهْب وَلَهُ مِنْ الْعُمُر سِتّ سِنِينَ ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَة جَدّه عَبْد الْمُطَّلِب إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنْ الْعُمُر ثَمَانِ سِنِينَ كَفَلَهُ عَمّه أَبُو طَالِب ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطهُ وَيَنْصُرهُ وَيَرْفَع مِنْ قَدْره وَيُوَقِّرهُ وَيَكُفّ عَنْهُ أَذَى قَوْمه بَعْد أَنْ اِبْتَعَثَهُ اللَّه عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ عُمُره هَذَا وَأَبُو طَالِب عَلَى دِين قَوْمه مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَكُلّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّه وَحُسْن تَدْبِيره إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو طَالِب قَبْل الْهِجْرَة بِقَلِيلٍ فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاء قُرَيْش وَجُهَّالهمْ فَاخْتَارَ اللَّه لَهُ الْهِجْرَة مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ إِلَى بَلَد الْأَنْصَار مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج كَمَا أَجْرَى اللَّه سُنَّته عَلَى الْوَجْه الْأَتَمّ الْأَكْمَل فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْن يَدَيْهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَكُلّ هَذَا مِنْ حِفْظ اللَّه لَهُ وَكِلَاءَته وَعِنَايَته بِهِ .
وَقَوْله : { أَلَمْ يَجِدك يَتِيمًا فَآوَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُعَدِّدًا عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعَمه عِنْده , وَمُذَكِّره آلَاءَهُ قِبَله : أَلَمْ يَجِدك يَا مُحَمَّد رَبّك يَتِيمًا فَآوَى , يَقُول : فَجَعَلَ لَك مَأْوًى تَأْوِي إِلَيْهِ , وَمَنْزِلًا تَنْزِلهُ
عَدَّدَ سُبْحَانه مِنَنَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَلَمْ يَجِدْك يَتِيمًا " لَا أَب لَك قَدْ مَاتَ أَبُوك . " فَآوَى " أَيْ جَعَلَ لَك مَأْوَى تَأْوِي إِلَيْهِ عِنْد عَمّك أَبِي طَالِب , فَكَفَّلَك . وَقِيلَ لِجَعْفَرِ بْن مُحَمَّد الصَّادِق : لِمَ أُوتِمَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَبَوَيْهِ ؟ فَقَالَ : لِئَلَّا يَكُون لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهِ حَقّ . وَعَنْ مُجَاهِد : هُوَ مِنْ قَوْل الْعَرَب : دُرَّة يَتِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْل . فَمَجَاز الْآيَة : أَلَمْ يَجِدْك وَاحِدًا فِي شَرَفِك لَا نَظِير لَك , فَآوَاك اللَّه بِأَصْحَابٍ يَحْفَظُونَك وَيَحُوطُونَك .
مشاركة الموضوع