تفسير السعدي

سورة الليل الآية ٥

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴿٥﴾
فأما من بذل من ماله واتقى الله في ذلك,
فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله في ذلك، وصدَّق بـ"لا إله إلا الله" وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء، فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح ونيسِّر له أموره.
" فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى " حَقّ اللَّه " وَاتَّقَى " اللَّه
" فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى" أَيْ أَعْطَى مَا أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ وَاتَّقَى اللَّه فِي أُمُوره.
وَقَوْله : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي سَبِيل اللَّه , وَمَنْ أَمَرَهُ اللَّه بِإِعْطَائِهِ مِنْ مَاله , وَمَا وَهَبَ لَهُ مِنْ فَضْله , وَاتَّقَى اللَّه وَاجْتَنَبَ مَحَارِمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28999 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا دَاوُد , عَنْ عَامِر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } قَالَ : أَعْطَى مَا عِنْده وَاتَّقَى , قَالَ : اِتَّقَى رَبّه . * -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ دَاوُد اِبْن أَبِي هِنْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } مِنْ الْفَضْل { وَاتَّقَى } : اِتَّقَى رَبّه . 29000 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } حَقّ اللَّه { وَاتَّقَى } مَحَارِم اللَّه الَّتِي نَهَى عَنْهَا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } يَقُول : مَنْ ذَكَرَ اللَّه , وَاتَّقَى اللَّه .
قَالَ اِبْن مَسْعُود : يَعْنِي أَبَا بَكْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَهُ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . فَرَوَى عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْر يُعْتِق عَلَى الْإِسْلَام عَجَائِز وَنِسَاء , قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ قُحَافَة : أَيْ بُنَيَّ لَوْ أَنَّك أَعْتَقْت رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَك وَيَقُومُونَ مَعَك ؟ فَقَالَ : يَا أَبَتِ إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى " أَيْ بَذَلَ . " وَاتَّقَى " أَيْ مَحَارِم اللَّه الَّتِي نَهَى عَنْهَا . " وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى " أَيْ بِالْخُلْفِ مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى عَطَائِهِ . " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى " وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَا مِنْ يَوْم يُصْبِح الْعِبَاد فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُول أَحَدهمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا , وَيَقُول الْآخَر اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) . وَرَوَى مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء : أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَا مِنْ يَوْم غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتِهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْق اللَّه كُلّهمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا , وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ فِي الْقُرْآن " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى " . .. الْآيَات . وَقَالَ أَهْل التَّفْسِير : " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى " الْمُعْسِرِينَ . وَقَالَ قَتَادَة : أَعْطَى حَقّ اللَّه تَعَالَى الَّذِي عَلَيْهِ . وَقَالَ الْحَسَن : أَعْطَى الصِّدْق مِنْ قَلْبه .
مشاركة الموضوع