تفسير السعدي

سورة الليل الآية ١١

وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ﴿١١﴾
ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.
وأما مَن بخل بماله واستغنى عن جزاء ربه، وكذَّب بـ"لا إله إلا الله" وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء، فسنُيَسِّر له أسباب الشقاء، ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.
" وَمَا " نَافِيَة " يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى " فِي النَّار
وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى " قَالَ مُجَاهِد : أَيْ إِذَا مَاتَ وَقَالَ أَبُو صَالِح وَمَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم إِذَا تَرَدَّى فِي النَّار .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله } : أَيّ شَيْء يَدْفَع عَنْ هَذَا الَّذِي بَخِلَ بِمَالِهِ , وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبّه , مَاله يَوْم الْقِيَامَة { إِذَا } هُوَ { تَرَدَّى } ؟ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِذَا تَرَدَّى } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّم : أَيْ سَقَطَ فِيهَا فَهَوَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29025 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا الْأَشْجَعِيّ , عَنْ اِبْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى } قَالَ : فِي جَهَنَّم . قَالَ أَبُو كُرَيْب : قَدْ سَمِعَ الْأَشْجَعِيّ مِنْ إِسْمَاعِيل ذَلِكَ . 29026 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِذَا تَرَدَّى } قَالَ : إِذَا تَرَدَّى فِي النَّار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا مَاتَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29027 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله إِذَا تَرَدَّى } قَالَ : إِذَا مَاتَ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِذَا تَرَدَّى } قَالَ : إِذَا مَاتَ * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا الْأَشْجَعِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِذَا مَاتَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّم , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ التَّرَدِّي ; فَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ مَعْنَى الْمَوْت , فَإِنَّهُ يُقَال : رَدِيَ فُلَان , وَقَلَّمَا يُقَال : تَرَدَّى .
أَيْ مَاتَ . يُقَال : رَدِيَ الرَّجُل يَرْدَى رَدًى : إِذَا هَلَكَ . قَالَ : صَرَفْت الْهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى وَقَالَ أَبُو صَالِح وَزَيْد بْن أَسْلَمَ : " إِذَا تَرَدَّى " : سَقَطَ فِي جَهَنَّم وَمِنْهُ الْمُتَرَدِّيَة . وَيُقَال : رَدِيَ فِي الْبِئْر وَتَرَدَّى : إِذَا سَقَطَ فِي بِئْر , أَوْ تَهَوَّرَ مِنْ جَبَل . يُقَال : مَا أَدْرِي أَيْنَ رَدِيَ ؟ أَيْ أَيْنَ ذَهَبَ . و " مَا " : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون جَحْدًا أَيْ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مَاله شَيْئًا وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون اِسْتِفْهَامًا مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ أَيْ أَيُّ شَيْء يُغْنِي عَنْهُ إِذَا هَلَكَ وَوَقَعَ فِي جَهَنَّم
مشاركة الموضوع