تفسير السعدي

سورة البلد الآية ٩

وَلِسَانًۭا وَشَفَتَيْنِ ﴿٩﴾
ولسانا وشفتين ينطق بها,
ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانًا وشفتين ينطق بها، وبينَّا له سبيلَي الخير والشر؟
" وَلِسَانًا " أَيْ يَنْطِق بِهِ فَيُعَبِّر عَمَّا فِي ضَمِيره " وَشَفَتَيْنِ " يَسْتَعِين بِهِمَا عَلَى الْكَلَام وَأَكْل الطَّعَام وَجَمَالًا لِوَجْهِهِ وَفَمه . وَقَدْ رَوَى الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة أَبِي الرَّبِيع الدِّمَشْقِيّ عَنْ مَكْحُول قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى : يَا اِبْن آدَم قَدْ أَنْعَمْت عَلَيْك نِعَمًا عِظَامًا لَا تُحْصِي عَدَدهَا وَلَا تُطِيق شُكْرهَا وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمْت عَلَيْك أَنْ جَعَلْت لَك عَيْنَيْنِ تَنْظُر بِهِمَا وَجَعَلْت لَهُمَا غِطَاء فَانْظُرْ بِعَيْنَيْك إِلَى مَا أَحْلَلْت لَك وَإِنْ رَأَيْت مَا حَرَّمْت عَلَيْك فَأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا وَجَعَلْت لَك لِسَانًا وَجَعَلْت لَهُ غِلَافًا فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُك وَأَحْلَلْت لَك فَإِنْ عُرِضَ عَلَيْك مَا حَرَّمْت عَلَيْك فَأَغْلِقْ عَلَيْك لِسَانك وَجَعَلْت لَك فَرْجًا وَجَعَلْت لَك سِتْرًا فَأَصِبْ بِفَرْجِك مَا أَحْلَلْت لَك فَإِنْ عُرِضَ عَلَيْك مَا حَرَّمْت عَلَيْك فَأَرْخِ عَلَيْك سِتْرك اِبْن آدَم إِنَّك لَا تَحْمِل سَخَطِي وَلَا تُطِيق اِنْتِقَامِي " .
وَلِسَانًا يُعَبِّر بِهِ عَنْ نَفْسه مَا أَرَادَ , وَشَفَتَيْنِ , نِعْمَة مِنَّا بِذَلِكَ عَلَيْهِ . 28891 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } نِعَم مِنْ اللَّه مُتَظَاهِرَة , يُقَرِّرك بِهَا كَيْمَا تَشْكُرهُ .
" وَلِسَانًا " يَنْطِق بِهِ . " وَشَفَتَيْنِ " يَسْتُر بِهِمَا ثَغْره . وَالْمَعْنَى : نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ , وَنَحْنُ نَقْدِر عَلَى أَنْ نَبْعَثَهُ وَنُحْصِيَ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَازِم : قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : يَا اِبْن آدَم , إِنْ نَازَعَك لِسَانك فِيمَا حَرَّمْت عَلَيْك , فَقَدْ أَعَنْتُك عَلَيْهِ بِطَبَقَيْنِ , فَأَطْبِقْ وَإِنْ نَازَعَك بَصَرك فِيمَا حَرَّمْت عَلَيْك , فَقَدْ أَعَنْتُك عَلَيْهِ بِطَبَقَيْنِ , فَأَطْبِقْ وَإِنَّ نَازَعَك فَرْجُك إِلَى مَا حَرَّمْت عَلَيْك , فَقَدْ أَعَنْتُك عَلَيْهِ بِطَبَقَيْنِ , فَأَطْبِقْ ) . وَالشَّفَة : أَصْلهَا شَفَهَة , حُذِفَتْ مِنْهَا الْهَاء , وَتَصْغِيرهَا : شُفَيْهَة , وَالْجَمْع : شِفَاه . وَيُقَال : شَفَهَات وَشَفَوات , وَالْهَاء أَقْيَس , وَالْوَاو أَعَمُّ , تَشْبِيهًا بِالسَّنَوَاتِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : يُقَال هَذِهِ شَفَة فِي الْوَصْل وَشَفَه , بِالتَّاءِ وَالْهَاء . وَقَالَ قَتَادَة : نِعَم اللَّه ظَاهِرَة , يُقَرِّرُك بِهَا حَتَّى تَشْكُر .
مشاركة الموضوع