تفسير السعدي

سورة التوبة الآية ١١٦

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ﴿١١٦﴾
" إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ " أي: هو المالك لذلك, المدبر لعباده, بالإحياء والإماتة, وأنواع التدابير الإلهية.
فإذا كان لا يخل بتدبيره القدري, فكيف يخل بتدبيره الديني, المتعلق بإلهيته, ويترك عباده سدى مهملين, أو يدعهم ضالين جاهلين, وهو أعظم توليه لعباده؟!!.
فلهذا قال: " وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " أي: ولي يتولاكم, بجلب المنافع لكم, أو " نَصِيرٍ " يدفع عنكم المضار.
إن لله مالك السموات والأرض وما فيهن لا شريك له في الخلق والتدبير والعبادة والتشريع، يحيي مَن يشاء ويميت مَن يشاء، وما لكم مِن أحد غير الله يتولى أموركم، ولا نصير ينصركم على عدوكم.
"إنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يُحْيِي وَيُمِيت وَمَا لَكُمْ" أَيّهَا النَّاس "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "مِنْ وَلِيّ" يَحْفَظكُمْ مِنْهُ "وَلَا نَصِير" يَمْنَعكُمْ عَنْ ضَرَره
وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يُحْيِي وَيُمِيت وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير " قَالَ اِبْن جَرِير هَذَا تَحْرِيض مِنْ اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ وَمُلُوك الْكُفْر وَأَنَّهُمْ يَثِقُونَ بِنَصْرِ اللَّه مَالِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَمْ يَرْهَبُوا مِنْ أَعْدَائِهِ فَإِنَّهُ لَا وَلِيّ لَهُمْ مِنْ دُون اللَّه وَلَا نَصِير لَهُمْ سِوَاهُ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أَبِي دُلَامَة الْبَغْدَادِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز عَنْ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَصْحَابه إِذْ قَالَ لَهُمْ " هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَع ؟ " قَالُوا مَا نَسْمَع مِنْ شَيْء فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنِّي لَأَسْمَع أَطِيط السَّمَاء وَمَا تُلَام أَنْ تَئِطّ وَمَا فِيهَا مِنْ مَوْضِع شِبْر إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَك سَاجِد أَوْ قَائِم " وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار مَا مِنْ مَوْضِع خُرْمَة إِبْرَة مِنْ الْأَرْض إِلَّا وَمَلَك مُوَكَّل بِهَا يَرْفَع عِلْم ذَلِكَ إِلَى اللَّه وَإِنَّ مَلَائِكَة السَّمَاء لَأَكْثَر مِنْ عَدَد التُّرَاب وَإِنَّ حَمَلَة الْعَرْش مَا بَيْن كَعْب أَحَدهمْ إِلَى مُخّه مَسِيرَة مِائَة عَام .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض يُحْيِي وَيُمِيت } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه أَيّهَا النَّاس لَهُ سُلْطَان السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمُلْكهمَا ! , وَكُلّ مَنْ دُونه مِنْ الْمُلُوك فَعَبِيده وَمَمَالِيكه , بِيَدِهِ حَيَاتهمْ وَمَوْتهمْ , يُحْيِي مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ وَيُمِيت مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ , فَلَا تَجْزَعُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قِتَال مَنْ كَفَرَ بِي مِنْ الْمُلُوك , مُلُوك الرُّوم كَانُوا أَوْ مُلُوك فَارِس وَالْحَبَشَة أَوْ غَيْرهمْ , وَاغْزُوهُمْ وَجَاهَدُوهُمْ فِي طَاعَتِي , فَإِنِّي الْمُعِزّ مَنْ أَشَاء مِنْهُمْ وَمِنْكُمْ وَالْمُذِلّ مَنْ أَشَاء . وَهَذَا حَضّ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَال كُلّ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ الْمَمَالِيك , وَإِغْرَاء مِنْهُ لَهُمْ بِحَرْبِهِمْ.

وَقَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } يَقُول : وَمَا لَكُمْ مِنْ أَحَد هُوَ لَكُمْ حَلِيف مِنْ دُون اللَّه يُظَاهِركُمْ عَلَيْهِ إِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَمْر اللَّه فَعَاقَبَكُمْ عَلَى خِلَافكُمْ أَمْره يَسْتَنْقِذكُمْ مِنْ عِقَابه , وَلَا نَصِير يَنْصُركُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا . يَقُول : فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا , وَإِيَّاهُ فَارْهَبُوا , وَجَاهِدُوا فِي سَبِيله مَنْ كَفَرَ بِهِ , فَإِنَّهُ قَدْ اِشْتَرَى مِنْكُمْ أَنْفُسكُمْ وَأَمْوَالكُمْ بِأَنَّ لَكُمْ الْجَنَّة , تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله فَتَقْتُلُونَ وَتُقْتَلُونَ .
مشاركة الموضوع