تفسير السعدي

سورة الانشقاق الآية ٢٥

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۭ ﴿٢٥﴾
لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وأدوا ما فرضه الله عليهم, لهم أجر في الآخرة غير مقطوع ولا منقوص.
فأيُّ شيء يمنعهم من الإيمان بالله واليوم الآخر بعد ما وُضِّحت لهم الآيات؟ وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله، ولا يسلِّمُون بما جاء فيه؟ إنما سجية الذين كفروا التكذيب ومخالفة الحق. والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء به القرآن حق، فبشرهم -أيها الرسول- بأن الله- عز وجل- قد أعدَّ لهم عذابًا موجعًا، لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وأدَّوْا ما فرضه الله عليهم، لهم أجر في الآخرة غير مقطوع ولا منقوص.
" إِلَّا " لَكِنْ " الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُ أَجْر غَيْر مَمْنُون " غَيْر مَقْطُوع وَلَا مَنْقُوص وَلَا يُمَنّ بِهِ عَلَيْهِمْ .
هَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع يَعْنِي لَكِنْ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ بِقُلُوبِهِمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أَيْ بِجَوَارِحِهِمْ لَهُمْ أَجْر أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة غَيْر مَمْنُون قَالَ اِبْن عَبَّاس غَيْر مَنْقُوص وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك غَيْر مَحْسُوب وَحَاصِل قَوْلهمَا أَنَّهُ غَيْر مَقْطُوع كَمَا قَالَ تَعَالَى " عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ " وَقَالَ السُّدِّيّ قَالَ بَعْضهمْ غَيْر مَمْنُون غَيْر مَنْقُوص وَقَالَ بَعْضهمْ غَيْر مَمْنُون عَلَيْهِمْ وَهَذَا الْقَوْل الْأَخِير عَنْ بَعْضهمْ قَدْ أَنْكَرَهُ غَيْر وَاحِد فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْمِنَّة عَلَى أَهْل الْجَنَّة فِي كُلّ حَال وَآن وَلَحْظَة وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَته لَا بِأَعْمَالِهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ الْمِنَّة دَائِمًا سَرْمَدًا وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده أَبَدًا وَلِهَذَا يُلْهَمُونَ تَسْبِيحه وَتَحْمِيده كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَس وَآخِر دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. آخِر تَفْسِير سُورَة الِانْشِقَاق وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة.
يَقُول : إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْهُمْ وَصَدَّقُوا , وَأَقَرُّوا بِتَوْحِيدِهِ , وَنُبُوَّة نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات .

يَقُول : وَأَدَّوْا فَرَائِض اللَّه , وَاجْتَنَبُوا رُكُوب مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ رُكُوبه .

وَقَوْله : { لَهُمْ أَجْر غَيْر مَمْنُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , ثَوَاب غَيْر مَحْسُوب وَلَا مَنْقُوص. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28513 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { لَهُمْ أَجْر غَيْر مَمْنُون } يَقُول : غَيْر مَنْقُوص . 28514 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَجْر غَيْر مَمْنُون } يَعْنِي : غَيْر مَحْسُوب . آخِر تَفْسِير سُورَة إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ.
اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , كَأَنَّهُ قَالَ : لَكِنْ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , أَيْ أَدَّوْا الْفَرَائِض الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِمْ.

" لَهُمْ أَجْر " أَيْ ثَوَاب " غَيْر مَمْنُون " أَيْ غَيْر مَنْقُوص وَلَا مَقْطُوع ; يُقَال : مَنَنْت الْحَبْل : إِذَا قَطَعْته . وَقَدْ تَقَدَّمَ . " لَهُمْ أَجْر غَيْر مَمْنُون " سَأَلَ نَافِع بْن الْأَزْرَق اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله : فَقَالَ : غَيْر مَقْطُوع . فَقَالَ : هَلْ تَعْرِف ذَلِكَ الْعَرَب ؟ قَالَ : نَعَمْ قَدْ عَرَفَهُ أَخُو يَشْكُر حَيْثُ يَقُول : فَتَرَى خَلْفهنَّ مِنْ سُرْعَة الرَّجْ عِ مَنِينًا كَأَنَّهُ أَهْبَاء قَالَ الْمُبَرِّد : الْمَنِين : الْغُبَار ; لِأَنَّهَا تَقْطَعهُ وَرَاءَهَا . وَكُلّ ضَعِيف مَنِين وَمَمْنُون . وَقِيلَ : " غَيْر مَمْنُون " لَا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ . وَذَكَرَ نَاس مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ قَوْله : " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " لَيْسَ اِسْتِئْنَاء , وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْوَاو , كَأَنَّهُ قَالَ : وَاَلَّذِينَ آمَنُوا . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِيهِ وَالْحَمْد لِلَّهِ . تَمَّتْ سُورَة الِانْشِقَاق .
مشاركة الموضوع