تفسير السعدي

سورة عبس الآية ٣٤

يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾
يوم يفر المرء لهول ذلك اليوم من أخيه,
فإذا جاءت صيحة يوم القيامة التي تصمُّ مِن هولها الأسماع، يوم يفرُّ المرء لهول ذلك اليوم من أخيه، وأمه وأبيه، وزوجه وبنيه. لكل واحد منهم يومئذٍ أمر يشغله ويمنعه من الانشغال بغيره.
أَيْ يَرَاهُ وَيَفِرّ مِنْهُ وَيَبْتَعِد مِنْهُ لِأَنَّ الْهَوْل عَظِيم وَالْخَطْب جَلِيل .
وَقَوْله : { يَوْم يَفِرّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } يَقُول : فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّة فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي يَفِرّ فِيهِ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَفِرّ مِنْ أَخِيهِ يَفِرّ عَنْ أَخِيهِ وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { يَفِرّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } : يَفِرّ عَنْ أَخِيهِ لِئَلَّا يَرَاهُ , وَمَا يَنْزِل بِهِ .
أَيْ يَهْرُب , أَيْ تَجِيء الصَّاخَّة فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي يَهْرُب فِيهِ مِنْ أَخِيهِ ; أَيْ مِنْ مُوَالَاة أَخِيهِ وَمُكَالَمَته ; لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغ لِذَلِكَ , لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ ; كَمَا قَالَ بَعْده : " لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه " أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْره . وَقِيلَ : إِنَّمَا يَفِرّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ , لِمَا بَيْنهمْ مِنْ التَّبِعَات . وَقِيلَ : لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الشِّدَّة . وَقِيلَ : لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا ; كَمَا قَالَ : " يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا " [ الدُّخَان : 41 ] . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن طَاهِر الْأَبْهَرِيّ : يَفِرّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّة حِيلَتِهِمْ , إِلَى مَنْ يَمْلِك كَشْف تِلْكَ الْكُرُوب وَالْهُمُوم عَنْهُ , وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اِعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبّه تَعَالَى . وَذَكَرَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يَفِرّ قَابِيل مِنْ أَخِيهِ هَابِيل , وَيَفِرّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمِّهِ , وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَبِيهِ , وَنُوح عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ اِبْنه , وَلُوط مِنْ اِمْرَأَته , وَآدَم مِنْ سَوْأَة بَنِيهِ . وَقَالَ الْحَسَن : أَوَّل مَنْ يَفِرّ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ أَبِيهِ : إِبْرَاهِيم , وَأَوَّل مَنْ يَفِرّ مِنْ اِبْنه نُوح ; وَأَوَّل مَنْ يَفِرّ مِنْ اِمْرَأَته لُوط . قَالَ : فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَار التَّبَرُّؤ .
مشاركة الموضوع