تفسير السعدي

سورة الأنفال الآية ١٧

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿١٧﴾
يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر, وقتلهم المسلمون.
" فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ " بحولكم وقوتكم " وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ " حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره.
" وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " .
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم, وقت القتال, دخل العريش, وجعل يدعو اللّه, ويناشده في نصرته.
ثم خرج منه, فأخذ حفنة من تراب, فرماها في وجوه المشركين, فأوصلها اللّه إلى وجوههم.
فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه, وفمه, وعينيه منها.
فحينئذ انكسر حدهم, وفتر زندهم, وبان فيهم الفشل والضعف, فانهزموا.
يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم, وإنما أوصلناه إليهم, بقوتنا واقتدارنا.
" وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا " أي: إن اللّه تعالى, قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين, من دون مباشرة قتال.
ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين, ويوصلهم بالجهاد, إلى أعلى الدرجات, وأرفع المقامات, ويعطيهم أجرا حسنا, وثوابا جزيلا.
" إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " يسمع تعالى, ما أسر به العبد, وما أعلن, ويعلم ما في قلبه, من النيات الصالحة وضدها.
فيقدر على العباد أقدارا, موافقة لعلمه وحكمته, ومصلحة عباده, ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
فلم تقتلوا -أيها المؤمنون- المشركين يوم "بدر"، ولكن الله قتلهم، حيث أعانكم على ذلك، وما رميت حين رميت -أيها النبي- ولكن الله رمى، حيث أوصل الرمية التي رميتها إلى وجوه المشركين؛ وليختبر المؤمنين بالله ورسوله ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، ويعرِّفهم نعمته عليهم، فيشكروا له سبحانه على ذلك. إن الله سميع لدعائكم وأقوالكم ما أسررتم به وما أعلنتم، عليم بما فيه صلاح عباده.
"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ" بِبَدْرٍ بِقُوَّتِكُمْ "وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ" بِنَصْرِهِ إيَّاكُمْ "وَمَا رَمَيْت" يَا مُحَمَّد أَعْيُن الْقَوْم "إذْ رَمَيْت" بِالْحَصَى لِأَنَّ كَفًّا مِنْ الْحَصَى لَا يَمْلَأ عُيُون الْجَيْش الْكَثِير بِرَمْيَةِ بَشَر "وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى" بِإِيصَالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَعَلَ لِيُقْهِر الْكَافِرِينَ "وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء" عَطَاء "حَسَنًا" هُوَ الْغَنِيمَة "إنَّ اللَّه سَمِيع" لِأَقْوَالِهِمْ "عَلِيم" بِأَحْوَالِهِمْ
يُبَيِّن تَعَالَى أَنَّهُ خَالِق أَفْعَال الْعِبَاد وَأَنَّهُ الْمَحْمُود عَلَى جَمِيع مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ خَيْر لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَفَّقَهُمْ لِذَلِكَ وَأَعَانَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ " فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ " أَيْ لَيْسَ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتكُمْ قَتَلْتُمْ أَعْدَاءَكُمْ مَعَ كَثْرَة عَدَدهمْ وَقِلَّة عَدَدكُمْ أَيْ بَلْ هُوَ الَّذِي أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ " وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " يُعْلِم تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ النَّصْر لَيْسَ عَلَى كَثْرَة الْعَدَد وَلَا بِلُبْسِ اللَّأْمَة وَالْعُدَد وَإِنَّمَا النَّصْر مِنْ عِنْده تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي شَأْن الْقَبْضَة مِنْ التُّرَاب الَّتِي حَصَب بِهَا وُجُوه الْكَافِرِينَ يَوْم بَدْر حِين خَرَجَ مِنْ الْعَرِيش بَعْد دُعَائِهِ وَتَضَرُّعه وَاسْتِكَانَته فَرَمَاهُمْ بِهَا وَقَالَ " شَاهَتْ الْوُجُوه " ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمَلَة إِثْرَهَا فَفَعَلُوا فَأَوْصَلَ اللَّه تِلْكَ الْحَصْبَاء إِلَى أَعْيُن الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا نَالَهُ مِنْهَا مَا شَغَلَهُ عَنْ حَاله وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " أَيْ هُوَ الَّذِي بَلَّغَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَكَبَتَهُمْ بِهَا لَا أَنْتَ . قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ يَعْنِي يَوْم بَدْر فَقَالَ " يَا رَبّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَة فَلَنْ تُعْبَد فِي الْأَرْض أَبَدًا " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل خُذْ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب فَارْمِ بِهَا فِي وُجُوههمْ فَأَخَذَ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوههمْ فَمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَحَد إِلَّا أَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمَنْخِرَيْهِ وَفَمَه تُرَابٌ مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَة فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَقَالَ السُّدِّيّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَوْم بَدْر " أَعْطِنِي حَصْبًا مِنْ الْأَرْض " فَنَاوَلَهُ حَصْبًا عَلَيْهِ تُرَاب فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوه الْقَوْم فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ مِنْ ذَلِكَ التُّرَاب شَيْء ثُمَّ رَدَفَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ وَأَنْزَلَ اللَّه " فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " وَقَالَ أَبُو مَعْشَر الْمَدَنِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَا : لَمَّا دَنَا الْقَوْم بَعْضهمْ مِنْ بَعْض أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَة مِنْ تُرَاب فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوه الْقَوْم وَقَالَ " شَاهَتْ الْوُجُوه " فَدَخَلَتْ فِي أَعْيُنهمْ كُلّهمْ وَأَقْبَلَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ وَكَانَتْ هَزِيمَتهمْ فِي رَمْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " قَالَ هَذَا يَوْم بَدْر أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث حَصَبَات فَرَمَى بِحَصَبَاتِ مَيْمَنَة الْقَوْم وَحَصَبَات فِي مَيْسَرَة الْقَوْم وَحَصَبَات بَيْن أَظْهُرهمْ وَقَالَ " شَاهَتْ الْوُجُوه " فَانْهَزَمُوا وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ عُرْوَة عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد مِنْ الْأَئِمَّة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَمْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْم حُنَيْن أَيْضًا . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان حَدَّثَنَا مُوسَى بْن يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي بَكْر بْن سُلَيْمَان بْن أَبِي خَيْثَمَة عَنْ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر سَمِعْنَا صَوْتًا وَقَعَ مِنْ السَّمَاء كَأَنَّهُ صَوْت حَصَاة وَقَعَتْ فِي طَسْت وَرَمَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرَّمْيَة فَانْهَزَمْنَا . غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهَهُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ غَرِيبَانِ جِدًّا . " أَحَدهمَا " قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف الطَّائِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن عَمْرو حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم اِبْن أَبِي الْحَقِيق بِخَيْبَر دَعَا بِقَوْسٍ فَأُتِيَ بِقَوْسٍ طَوِيلَة وَقَالَ " جِيئُونِي بِقَوْسٍ غَيْرهَا " فَجَاءُوهُ بِقَوْسٍ كَبْدَاء فَرَمَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِصْن فَأَقْبَلَ السَّهْم يَهْوِي حَتَّى قَتَلَ اِبْن أَبِي الْحَقِيق وَهُوَ فِي فِرَاشه فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " وَهَذَا غَرِيب وَإِسْنَاده جَيِّد إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر وَلَعَلَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْآيَة تَعُمّ هَذَا كُلّه وَإِلَّا فَسِيَاق الْآيَة فِي سُورَة الْأَنْفَال فِي قِصَّة بَدْر لَا مَحَالَة وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَئِمَّة الْعِلْم وَاللَّهُ أَعْلَمُ . " وَالثَّانِي " رَوَى اِبْن جَرِير أَيْضًا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالزُّهْرِيّ أَنَّهُمَا قَالَا : أُنْزِلَتْ فِي رَمْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أَحَد أُبَيّ بْن خَلَف بِالْحَرْبَةِ وَهُوَ فِي لَأْمَتِهِ فَخَدَشَهُ فِي تَرْقُوَته فَجَعَلَ يَتَدَأْدَأُ عَنْ فَرَسه مِرَارًا حَتَّى كَانَتْ وَفَاته بَعْد أَيَّام قَاسَى فِيهَا الْعَذَاب الْأَلِيم مَوْصُولًا بِعَذَابِ الْبَرْزَخ الْمُتَّصِل بِعَذَابِ الْآخِرَة وَهَذَا الْقَوْل عَنْ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ غَرِيب أَيْضًا جِدًّا وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا أَنَّ الْآيَة تَتَنَاوَلهُ بِعُمُومِهَا لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ خَاصَّة كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي قَوْله " وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء حَسَنًا " أَيْ لِيُعَرِّف الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَته عَلَيْهِمْ مِنْ إِظْهَارهمْ عَلَى عَدُوّهُمْ مَعَ كَثْرَة عَدُوّهُمْ وَقِلَّة عَدَدهمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ وَيَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَته وَهَكَذَا فَسَّرَهُ اِبْن جَرِير أَيْضًا وَفِي الْحَدِيث " وَكُلّ بَلَاء حَسَن أَبْلَانَا " وَقَوْله " إِنَّ اللَّه سَمِيع عَلِيم " أَيْ سَمِيع الدُّعَاء عَلِيم بِمَنْ يَسْتَحِقّ النَّصْر وَالْغَلَب .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه فَقَاتَلَ أَعْدَاء دِينه مَعَهُ مِنْ كُفَّار قُرَيْش : فَلَمْ تَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ , وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ . وَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَتْلهمْ إِلَى نَفْسه , وَنَفَاهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الَّذِينَ قَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ , إِذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ مُسَبِّب قَتْلهمْ , وَعَنْ أَمْره كَانَ قِتَال الْمُؤْمِنِينَ إِيَّاهُمْ , فَفِي ذَلِكَ أَدَلّ الدَّلِيل عَلَى فَسَاد قَوْل الْمُنْكِرِينَ أَنْ يَكُون لِلَّهِ فِي أَفْعَال خَلْقه صُنْع بِهِ وَصَلُوا إِلَيْهَا . وَكَذَلِكَ قَوْله لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } فَأَضَافَ الرَّمْي إِلَى نَبِيّ اللَّه , ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهُ , وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ هُوَ الرَّامِي , إِذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْمُوَصِّل الْمَرْمِيّ بِهِ إِلَى الَّذِينَ رُمُوا بِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَالْمُسَبَّب الرَّمْيَة لِرَسُولِهِ . فَيُقَال لِلْمُسْلِمِينَ مَا ذَكَرْنَا : قَدْ عَلِمْتُمْ إِضَافَة اللَّه رَمَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى نَفْسه بَعْد وَصْفه نَبِيّه بِهِ وَإِضَافَته إِلَيْهِ ذَلِكَ فِعْل وَاحِد كَانَ مِنْ اللَّه بِتَسْبِيبِهِ وَتَسْدِيده , وَمِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَذْف وَالْإِرْسَال , فَمَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون كَذَلِكَ سَائِر أَفْعَال الْخَلْق الْمُكْتَسَبَة : مِنْ اللَّه الْإِنْشَاء وَالْإِنْجَاز بِالتَّسْبِيبِ , وَمِنْ الْخَلْق الِاكْتِسَاب بِالْقُوَى ؟ فَلَنْ يَقُولُوا فِي أَحَدهمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَر مِثْله . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12288 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } لِأَصْحَابِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ هَذَا : قَتَلْت , وَهَذَا : قَتَلْت . { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت } قَالَ لِمُحَمَّدٍ حِين حَصَبَ الْكُفَّار . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 12289 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } قَالَ : رَمَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَصْبَاءِ يَوْم بَدْر . 12290 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : مَا وَقَعَ مِنْهَا شَيْء إِلَّا فِي عَيْن رَجُل . 12291 - حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُرْوَة , قَالَ : لَمَّا وَرَدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا قَالَ : " هَذِهِ مَصَارِعهمْ " . وَوَجَدَ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَيْهِ وَنَزَلَ إِلَيْهِ , فَلَمَّا طَلَعُوا عَلَيْهِ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هَذِهِ قُرَيْش قَدْ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تُحَادّك وَتُكَذِّب رَسُولك , اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك مَا وَعَدْتنِي ! " فَلَمَّا أَقْبَلُوا اِسْتَقْبَلَهُمْ , فَحَثَا فِي وُجُوههمْ , فَهَزَمَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 12292 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور , قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِي بَكْر بْن سُلَيْمَان بْن أَبِي حَثْمَة , عَنْ حَكِيم بْن حِزَام , قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر , سَمِعْنَا صَوْتًا وَقَعَ مِنْ السَّمَاء كَأَنَّهُ صَوْت حَصَاة وَقَعَتْ فِي طَسْت , وَرَمَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرَّمْيَة , فَانْهَزَمْنَا . 12293 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَا : لَمَّا دَنَا الْقَوْم بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَة مِنْ تُرَاب فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوه الْقَوْم , وَقَالَ : " شَاهَتْ الْوُجُوه ! " فَدَخَلَتْ فِي أَعْيُنهمْ كُلّهمْ , وَأَقْبَلَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ , وَكَانَتْ هَزِيمَتهمْ فِي رَمْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَنْزَلَ اللَّه : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } الْآيَة , إِلَى : { إِنَّ اللَّه سَمِيع عَلِيم } . 12294 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ يَوْم بَدْر ثَلَاثَة أَحْجَار وَرَمَى بِهَا فِي وُجُوه الْكُفَّار , فَهُزِمُوا عِنْد الْحَجَر الثَّالِث . 12295 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ يَوْم بَدْر لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " أَعْطِنِي حَصًى مِنْ الْأَرْض ! " فَنَاوَلَهُ حَصًى عَلَيْهِ تُرَاب فَرَمَى بِهِ وُجُوه الْقَوْم , فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِك إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ مِنْ ذَلِكَ التُّرَاب شَيْء . ثُمَّ رَدِفَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ . فَذَكَرَ رَمْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } . 11296 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } قَالَ : هَذَا يَوْم بَدْر , أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث حَصَيَات , فَرَمَى بِحَصَاةٍ فِي مَيْمَنَة الْقَوْم وَحَصَاة فِي مَيْسَرَة الْقَوْم وَحَصَاة بَيْن أَظْهُرهمْ وَقَالَ : " شَاهَتْ الْوُجُوه ! " فَانْهَزَمُوا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } . 12297 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : رَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده يَوْم بَدْر , فَقَالَ : " يَا رَبّ إِنْ تُهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَة فَلَنْ تُعْبَد فِي الْأَرْض أَبَدًا ! " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : خُذْ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب ! فَأَخَذَ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب , فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوههمْ فَمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَد إِلَّا أَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمَنْخِرَيْهِ وَفَمه تُرَاب مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَة , فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ . 12298 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ مِنْ يَده حِين رَمَاهُمْ : { وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى } أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِك لَوْلَا الَّذِي جَعَلَ اللَّه فِيهَا مِنْ نَصْرك , وَمَا أَلْقَى فِي صُدُور عَدُوّك مِنْهَا حِين هَزَمْتهمْ . وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي ذَلِكَ قَوْل خِلَاف هَذِهِ الْأَقْوَال , وَهُوَ مَا : 12299 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ : { وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت } قَالَ : جَاءَ أُبَيّ بْن خَلَف الْجُمَحِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِل , فَقَالَ : اللَّه مُحْيِي هَذَا يَا مُحَمَّد وَهُوَ رَمِيم ؟ ! وَهُوَ يَفُتّ الْعَظْم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُحْيِيه اللَّه , ثُمَّ يُمِيتك , ثُمَّ يُدْخِلك النَّار " قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد , قَالَ : وَاَللَّه لَأَقْتُلَن مُحَمَّدًا إِذَا رَأَيْته ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " بَلْ أَنَا أَقْتُلهُ إِنْ شَاءَ اللَّه " .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء حَسَنًا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَلِيُنْعِم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله بِالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ , وَيُغْنِمهُمْ مَا مَعَهُمْ , وَيُثْبِت لَهُمْ أُجُور أَعْمَالهمْ وَجِهَادهمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ الْبَلَاء الْحَسَن , رَمْي اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ . وَيَعْنِي بِالْبَلَاءِ الْحَسَن : النِّعْمَة الْحَسَنَة الْجَمِيلَة , وَهِيَ مَا وَصَفْت , وَمَا فِي مَعْنَاهُ . 12300 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ فِي قَوْله : { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء حَسَنًا } أَيْ لِيَعْرِف الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ فِي إِظْهَارهمْ عَلَى عَدُوّهُمْ مَعَ كَثْرَة عَدَدهمْ وَقِلَّة عَدَدهمْ , لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقّه وَلِيَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَته .

وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي : إِنَّ اللَّه سَمِيع أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِدُعَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُنَاشَدَته بِهِ مَسْأَلَته إِيَّاهُ إِهْلَاك عَدُوّهُ وَعَدُوّكُمْ وَلِقِيلِكُمْ وَقِيلَ جَمِيع خَلْقه , عَلِيم بِذَلِكَ كُلّه وَبِمَا فِيهِ صَلَاحكُمْ وَصَلَاح عِبَاده , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاء مُحِيط بِهِ , فَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُوا أَمْره وَأَمْر رَسُوله .
أَيْ يَوْمَ بَدْر . رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَدَرُوا عَنْ بَدْر ذَكَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَا فَعَلَ : قَتَلْت كَذَا , فَعَلْت كَذَا ; فَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ تَفَاخُر وَنَحْو ذَلِكَ . فَنَزَلَتْ الْآيَة إِعْلَامًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُمِيت وَالْمُقَدِّر لِجَمِيعِ الْأَشْيَاء , وَأَنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يُشَارِك بِتَكَسُّبِهِ وَقَصْده . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَى مَنْ يَقُول بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَاد خَلْق لَهُمْ . فَقِيلَ : الْمَعْنَى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بِسَوْقِهِمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى أَمْكَنَكُمْ مِنْهُمْ . وَقِيلَ : وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَمَدَّكُمْ بِهِمْ .


أَيْ يَوْمَ بَدْر . رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَدَرُوا عَنْ بَدْر ذَكَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَا فَعَلَ : قَتَلْت كَذَا , فَعَلْت كَذَا ; فَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ تَفَاخُر وَنَحْو ذَلِكَ . فَنَزَلَتْ الْآيَة إِعْلَامًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُمِيت وَالْمُقَدِّر لِجَمِيعِ الْأَشْيَاء , وَأَنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يُشَارِك بِتَكَسُّبِهِ وَقَصْده . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَى مَنْ يَقُول بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَاد خَلْق لَهُمْ . فَقِيلَ : الْمَعْنَى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بِسَوْقِهِمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى أَمْكَنَكُمْ مِنْهُمْ . وَقِيلَ : وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَمَدَّكُمْ بِهِمْ .

{17} فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
مِثْله " وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الرَّمْي عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال :

الْأَوَّل : إِنَّ هَذَا الرَّمْي إِنَّمَا كَانَ فِي حَصَب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك . قَالَ مَالِك : وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم أَحَد إِلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا .

الثَّانِي : أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ أُحُد حِين رُمِيَ أُبَيّ بْن خَلَف بِالْحَرْبَةِ فِي عُنُقه ; فَكَرَّ أُبَيّ مُنْهَزِمًا . فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ : وَاَللَّه مَا بِك مِنْ بَأْس . فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي . أَلَيْسَ قَدْ قَالَ : بَلْ أَنَا أَقْتُلهُ . وَكَانَ أَوْعَدَ أُبَيٌّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَتْلِ بِمَكَّة ; فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ أَنَا أَقْتُلُك " فَمَاتَ عَدُوّ اللَّه مِنْ ضَرْبَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرْجِعه إِلَى مَكَّة , بِمَوْضِعٍ يُقَال لَهُ " سَرِف " . قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب : لَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد أَقْبَلَ أُبَيّ مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيد عَلَى فَرَسه يَقُول : لَا نَجَوْت إِنْ نَجَا مُحَمَّد ; فَحَمَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد قَتْله . قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : فَاعْتَرَضَ لَهُ رِجَال مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَلَّوْا طَرِيقَهُ ; فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَب بْن عُمَيْر يَقِي رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَتَلَ مُصْعَب بْن عُمَيْر , وَأَبْصَرَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْقُوَة أُبَيّ بْن خَلَف مِنْ فُرْجَة بَيْنَ سَابِغَة الْبَيْضَة وَالدِّرْع ; فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ فَوَقَعَ أُبَيّ عَنْ فَرَسه , وَلَمْ يَخْرُج مِنْ طَعْنَتِهِ دَم . قَالَ سَعِيد : فَكَسَرَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعه ; فَقَالَ : فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " . وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِيب بَدْر .

الثَّالِث : أَنَّ الْمُرَادَ السَّهْم الَّذِي رَمَى بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصْن خَيْبَرَ , فَسَارَ فِي الْهَوَاء حَتَّى أَصَابَ اِبْن أَبِي الْحُقَيْق وَهُوَ عَلَى فِرَاشه . وَهَذَا أَيْضًا فَاسِد , وَخَيْبَر وَفَتْحهَا أَبْعَد مِنْ أُحُد بِكَثِيرٍ . وَالصَّحِيح فِي صُورَة قَتْل اِبْن أَبِي الْحُقَيْق غَيْر هَذَا .

الرَّابِع : أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ بَدْر ; قَالَ اِبْن إِسْحَاق . وَهُوَ أَصَحّ ; لِأَنَّ السُّورَةَ بَدْرِيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذْ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب ) فَأَخَذَ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ فَمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ , مِنْ أَحَد إِلَّا وَأَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمَنْخِرَيْهِ وَفَمه تُرَاب مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَة ; وَقَالَ اِبْن عَبَّاس ;

وَسَيَأْتِي . قَالَ ثَعْلَب : الْمَعْنَى " وَمَا رَمَيْت " الْفَزَعَ وَالرُّعْبَ فِي قُلُوبهمْ " إِذْ رَمَيْت " بِالْحَصْبَاءِ فَانْهَزَمُوا " وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " أَيْ أَعَانَك وَأَظْفَرَك . وَالْعَرَب تَقُول : رَمَى اللَّه لَك , أَيْ أَعَانَك وَأَظْفَرَك وَصَنَعَ لَك . حَكَى هَذَا أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَاب الْمَجَاز . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : وَمَا رَمَيْت بِقُوَّتِك , إِذْ رَمَيْت , وَلَكِنَّك بِقُوَّةِ اللَّه رَمَيْت .




الْبَلَاء هَاهُنَا النِّعْمَة . وَاللَّام تَتَعَلَّق بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَلَ ذَلِكَ .
مشاركة الموضوع