تفسير السعدي

سورة النازعات الآية ٤٢

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ﴿٤٢﴾
يسألك المشركون يا محمد- استخفافا- عن وقت حلول الساعة التي تتوعدهم بها
يسألك المشركون أيها الرسول- استخفافا- عن وقت حلول الساعة التي تتوعدهم بها. لستَ في شيء مِن علمها، بل مرد ذلك إلى الله عز وجل، وإنما شأنك في أمر الساعة أن تحذر منها مَن يخافها. كأنهم يوم يرون قيام الساعة لم يلبثوا في الحياة الدنيا؛ لهول الساعة إلا ما بين الظهر إلى غروب الشمس، أو ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.
" يَسْأَلُونَك " أَيْ كُفَّار مَكَّة " عَنْ السَّاعَة أَيَّانَ مُرْسَاهَا " مَتَى وُقُوعهَا وَقِيَامهَا
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " يَسْأَلُونَك عَنْ السَّاعَة أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبّك مُنْتَهَاهَا " أَيْ لَيْسَ عِلْمهَا إِلَيْك وَلَا إِلَى أَحَد مِنْ الْخَلْق بَلْ مَرَدّهَا وَمَرْجِعهَا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ الَّذِي يَعْلَم وَقْتهَا عَلَى التَّعْيِين" ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَة يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حَفِيّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمهَا عِنْد اللَّه " وَقَالَ هَاهُنَا " إِلَى رَبّك مُنْتَهَاهَا " وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ جِبْرِيل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَقْت السَّاعَة قَالَ " مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم مِنْ السَّائِل" .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ السَّاعَة أَيَّانَ مُرْسَاهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد : يَسْأَلك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ عَنْ السَّاعَة الَّتِي تُبْعَث فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورهمْ أَيَّانَ مُرْسَاهَا , مَتَى قِيَامهَا وَظُهُورهَا ؟ وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : إِنْ قَالَ قَائِل : إِنَّمَا الْإِرْسَاء لِلسَّفِينَةِ , وَالْجِبَال الرَّاسِيَة وَمَا أَشْبَهَهُنَّ , فَكَيْف وَصَفَ السَّاعَة بِالْإِرْسَاءِ ؟ قُلْت : هِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّفِينَة إِذَا كَانَتْ جَارِيَة فَرَسَتْ , وَرُسُوّهَا : قِيَامهَا ; قَالَ : وَلَيْسَ قِيَامهَا كَقِيَامِ الْقَائِم , إِنَّمَا هِيَ كَقَوْلِك : قَدْ قَامَ الْعَدْل , وَقَامَ الْحَقّ : أَيْ ظَهَرَ وَثَبَتَ .
قَالَهُ اِبْن عَبَّاس : سَأَلَ مُشْرِكُو مَكَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى تَكُون السَّاعَة اِسْتِهْزَاء , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْآيَة . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى : " فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا " ؟ لَمْ يَزَلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَل عَنْ السَّاعَة , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " إِلَى رَبّك مُنْتَهَاهَا " . وَمَعْنَى " مُرْسَاهَا " أَيْ قِيَامهَا . قَالَ الْفَرَّاء : رُسُوّهَا قِيَامهَا كَرُسُوِّ السَّفِينَة . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَيْ مُنْتَهَاهَا , وَمَرْسَى السَّفِينَة حَيْثُ , تَنْتَهِي . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس . الرَّبِيع بْن أَنَس : مَتَى زَمَانهَا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " بَيَان ذَلِكَ . وَعَنْ الْحَسَن أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا بِغَضْبَةٍ يَغْضَبهَا رَبّك ] .
مشاركة الموضوع