تفسير السعدي

سورة القيامة الآية ٢٦

كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ ﴿٢٦﴾
حقا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر ,
حقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
"كَلَّا" بِمَعْنَى أَلَا "إذَا بَلَغَتْ" النَّفْس "التَّرَاقِيَ" عِظَام الْحَلْق
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ حَالَة الِاحْتِضَار وَمَا عِنْدهَا مِنْ الْأَهْوَال - ثَبَّتَنَا اللَّه هُنَالِكَ بِالْقَوْلِ الثَّابِت - فَقَالَ تَعَالَى " كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ" إِنْ جَعَلْنَا كَلَّا رَدَّاعَة فَمَعْنَاهَا لَسْت يَا اِبْن آدَم هُنَاكَ تَكْذِب بِمَا أَخْبَرْت بِهِ بَلْ صَارَ ذَلِكَ عِنْدك عِيَانًا وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بِمَعْنَى حَقًّا فَظَاهِر أَيْ حَقًّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ أَيْ اُنْتُزِعَتْ رُوحك مِنْ جَسَدك وَبَلَغَتْ تَرَاقِيك وَالتَّرَاقِي جَمْع تَرْقُوَة وَهِيَ الْعِظَام الَّتِي بَيْن ثُغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق كَقَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْر مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " وَهَكَذَا قَالَ هَهُنَا" كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ " وَيُذْكَر هَهُنَا حَدِيث بِشْر بْن حَجَّاج الَّذِي تَقَدَّمَ فِي سُورَة يس وَالتَّرَاقِي جَمْع تَرْقُوَة وَهِيَ قَرِيبَة مِنْ الْحُلْقُوم .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَظُنّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُعَاقِبُونَ عَلَى شِرْكهمْ وَمَعْصِيَتهمْ رَبّهمْ بَلْ إِذَا بَلَغَتْ نَفْس أَحَدهمْ التَّرَاقِيَ عِنْد مَمَاته وَحَشْرَجَ بِهَا , وَقَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ } قَالَ : التَّرَاقِي : نَفْسه. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يُونُس , قَالَ : 27643 - أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ أَهْله : مَنْ ذَا يَرْقِيه لِيَشْفِيَهُ مِمَّا قَدْ نَزَلَ بِهِ , وَطَلَبُوا لَهُ الْأَطِبَّاء وَالْمُدَاوِينَ , فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ أَمْر اللَّه الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا .
" كَلَّا " رَدْع وَزَجْر ; أَيْ بَعِيد أَنْ يُؤْمِن الْكَافِر بِيَوْمِ الْقِيَامَة ; ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : " إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ " أَيْ بَلَغَتْ النَّفْس أَوْ الرُّوح التَّرَاقِيَ ; فَأَخْبَرَ عَمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر , لِعِلْمِ الْمُخَاطَب بِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " [ ص : 32 ] وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم " [ الْوَاقِعَة : 83 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ .

وَقِيلَ : " كَلَّا " مَعْنَاهُ حَقًّا ; أَيْ حَقًّا أَنَّ الْمَسَاق إِلَى اللَّه " إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ " أَيْ إِذَا اِرْتَقَتْ النَّفْس إِلَى التَّرَاقِي .

وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : إِذَا بَلَغَتْ نَفْس الْكَافِر التَّرَاقِيَ . وَالتَّرَاقِي جَمْع تَرْقُوَة وَهِيَ الْعِظَام الْمُكْتَنِفَة لِنَقْرَةِ النَّحْر , وَهُوَ مُقَدَّم الْحَلْق مِنْ أَعْلَى الصَّدْر , مَوْضِع الْحَشْرَجَة ; قَالَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة . وَرُبَّ عَظِيمَة دَافَعْت عَنْهُمْ وَقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسهمْ التَّرَاقِيَ وَقَدْ يُكَنَّى عَنْ الْإِشْفَاء عَلَى الْمَوْت بِبُلُوغِ النَّفْس التَّرَاقِيَ , وَالْمَقْصُود تَذْكِيرهمْ شِدَّةَ الْحَال عِنْد نُزُول الْمَوْت .
مشاركة الموضوع