تفسير السعدي

سورة المعارج الآية ١٩

۞ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾
وشدة الإنسان جبل على الجزع وشدة الحرص,
إن الإنسان جُبِلَ على الجزع وشدة الحرص، إذا أصابه المكروه والعسر فهو كثير الجزع والأسى، وإذا أصابه الخير واليسر فهو كثير المنع والإمساك، إلا المقيمين للصلاة الذين يحافظون على أدائها في جميع الأوقات، ولا يَشْغَلهم عنها شاغل، والذين في أموالهم نصيب معيَّن فرضه الله عليهم، وهو الزكاة لمن يسألهم المعونة، ولمن يتعفف عن سؤالها، والذين يؤمنون بيوم الحساب والجزاء فيستعدون له بالأعمال الصالحة، والذين هم خائفون من عذاب الله. إن عذاب ربهم لا ينبغي أن يأمنه أحد. والذين هم حافظون لفروجهم عن كل ما حرَّم الله عليهم، إلا على أزواجهم وإمائهم، فإنهم غير مؤاخذين.
"إنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا" حَال مُقَدَّره وَتَفْسِيره
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْإِنْسَان وَمَا هُوَ مَجْبُول عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْلَاق الدَّنِيئَة" إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ الْإِنْسَان } الْكَافِر { خُلِقَ هَلُوعًا } وَالْهَلَع : شِدَّة الْجَزَع مَعَ شِدَّة الْحِرْص وَالضَّجَر. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27064 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه { إِذَا مَسَّهُ الشَّرّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْر مَنُوعًا } وَيُقَال : الْهَلُوع : هُوَ الْجَزُوع الْحَرِيص , وَهَذَا فِي أَهْل الشِّرْك . 27065 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : شَحِيحًا جَزُوعًا . 27066 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ عِكْرِمَة { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : ضَجُورًا . 27067 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : { إِنَّ الْإِنْسَان } يَعْنِي الْكَافِر { خُلِقَ هَلُوعًا } يَقُول : هُوَ بَخِيل مَنُوع لِلْخَيْرِ , جَزُوع إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاء , فَهَذَا الْهَلُوع . 27068 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيب بْن عَرَبِيّ , قَالَ : ثنا خَالِد بْن الْحَارِث , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ حُصَيْن , قَالَ يَحْيَى , قَالَ خَالِد : وَسَأَلْت شُعْبَة عَنْ قَوْله : { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } فَحَدَّثَنِي شُعْبَة عَنْ حُصَيْن أَنَّهُ قَالَ : الْهَلُوع : الْحَرِيص . * -حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : سَأَلْت حُصَيْنًا عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : حَرِيصًا . 27069 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : الْهَلُوع : الْجَزُوع . 27070 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { خُلِقَ هَلُوعًا } قَالَ : جَزُوعًا .
يَعْنِي الْكَافِر ; عَنْ الضَّحَّاك . وَالْهَلَع فِي اللُّغَة : أَشَدّ الْحِرْص وَأَسْوَأ الْجَزَع وَأَفْحَشَهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . وَقَدْ هَلِع ( بِالْكَسْرِ ) يَهْلَع فَهُوَ هَلِيع وَهَلُوع ; عَلَى التَّكْثِير . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصْبِر عَلَى خَيْر وَلَا شَرّ حَتَّى يَفْعَل فِيهِمَا مَا لَا يَنْبَغِي . عِكْرِمَة : هُوَ الضَّجُور . الضَّحَّاك : هُوَ الَّذِي لَا يَشْبَع . وَالْمَنُوع : هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَ الْمَال مَنَعَ مِنْهُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : خَلَقَ اللَّه الْإِنْسَان يُحِبّ مَا يَسُرّهُ وَيُرْضِيه , وَيَهْرُب مِمَّا يَكْرَههُ وَيُسْخِطهُ , ثُمَّ تَعَبَّدَهُ اللَّه بِإِنْفَاقِ مَا يُحِبّ وَالصَّبْر عَلَى مَا يَكْرَه . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْهَلُوع هُوَ الَّذِي إِذَا مَسَّهُ الْخَيْر لَمْ يَشْكُر , وَإِذَا مَسَّهُ الضُّرّ لَمْ يَصْبِر ; قَالَهُ ثَعْلَب . وَقَالَ ثَعْلَب أَيْضًا : قَدْ فَسَّرَ اللَّه الْهَلُوع ,
مشاركة الموضوع