تفسير السعدي

سورة الأعراف الآية ١٤

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾
فلما أعلن عدو اللّه بعداوة اللّه, وعداوة آدم وذريته, سأل اللّه النظرة والإمهال إلى يوم البعث, ليتمكن من إغواء ما يقدر عليه من بني آدم.
قال إبليس لله -جل وعلا- حينما يئس من رحمته: أمهلني إلى يوم البعث؛ وذلك لأتمكن من إغواء مَن أقدر عليه من بني آدم.
"قَالَ أَنْظِرْنِي" أَخِّرْنِي "إلَى يَوْم يُبْعَثُونَ" أَيْ النَّاس
قَالَ " أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ " أَجَابَهُ تَعَالَى إِلَى مَا سَأَلَ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة وَالْإِرَادَة وَالْمَشِيئَة الَّتِي لَا تُخَالَف وَلَا تُمَانَع وَلَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ" وَهُوَ سَرِيع الْحِسَاب " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } وَهَذِهِ أَيْضًا جَهْلَة أُخْرَى مِنْ جَهَلَاته الْخَبِيثَة , سَأَلَ رَبّه مَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيل لِأَحَدٍ مِنْ خَلْق اللَّه إِلَيْهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّظِرَة إِلَى قِيَام السَّاعَة , وَذَلِكَ هُوَ يَوْم يُبْعَث فِيهِ الْخَلْق , وَلَوْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ مِنْ النَّظِرَة كَانَ قَدْ أُعْطِيَ الْخُلُود وَبَقَاء لَا فَنَاء مَعَهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَوْت بَعْد الْبَعْث . فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُ : { إِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم } 15 37 : 38 وَذَلِكَ إِلَى الْيَوْم الَّذِي قَدْ كَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاك وَالْمَوْت وَالْفَنَاء لِأَنَّهُ لَا شَيْء يَبْقَى فَلَا يَفْنَى , غَيْر رَبّنَا الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } 3 185 وَالْإِنْظَار فِي كَلَام الْعَرَب : التَّأْخِير , يُقَال مِنْهُ : أَنْظَرْته بِحَقِّي عَلَيْهِ , أُنْظِرُه بِهِ إِنْظَارًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ اللَّه قَدْ قَالَ لَهُ إِذْ سَأَلَهُ الْإِنْظَار إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ : { إِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ } فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَدْ أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَانَ مُجِيبًا لَهُ إِلَى مَا سَأَلَ لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ : إِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ إِلَى الْوَقْت الَّذِي سَأَلْت , أَوْ إِلَى يَوْم الْبَعْث , أَوْ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ , أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى إِجَابَته إِلَى مَا سَأَلَ مِنْ النَّظِرَة .
سَأَلَ النَّظِرَة وَالْإِمْهَال إِلَى يَوْم الْبَعْث وَالْحِسَاب . طَلَبَ أَلَّا يَمُوت لِأَنَّ يَوْم الْبَعْث لَا مَوْت بَعْده ;
مشاركة الموضوع