تفسير السعدي

سورة الحاقة الآية ٤٧

فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَٰجِزِينَ ﴿٤٧﴾
فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا.
ولو ادَّعى محمد علينا شيئًا لم نقله، لانتقمنا وأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه نياط قلبه، فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا. إن هذا القرآن لعظة للمتقين الذين يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيه.
"فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد" هُوَ اسْم مَا ومِنْ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي ومِنْكُمْ حَال مِنْ أَحَد "عَنْهُ حَاجِزِينَ" مَانِعِينَ خَبَر مَا وَجُمِعَ لِأَنَّ أَحَدًا فِي سِيَاق النَّفْي بِمَعْنَى الْجَمْع وَضَمِير عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ لَا مَانِع لَنَا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْعِقَاب
أَيْ فَمَا يَقْدِر أَحَد مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِز بَيْننَا وَبَيْنه إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا بَلْ هُوَ صَادِق بَارّ رَاشِد لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُقَرِّر لَهُ مَا يُبَلِّغهُ عَنْهُ وَمُؤَيِّد لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَات وَالدَّلَالَات الْقَاطِعَات.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : فَمَا مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ أَحَد عَنْ مُحَمَّد لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْض الْأَقَاوِيل , فَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ , ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين , حَاجِزِينَ يَحْجِزُونَنَا عَنْ عُقُوبَته , وَمَا نَفْعَلهُ بِهِ. وَقِيلَ : حَاجِزِينَ , فَجُمِعَ , وَهُوَ فِعْل لِأَحَدٍ , وَأَحَد فِي لَفْظ وَاحِد رَدًّا عَلَى مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْجَمْع , وَالْعَرَب تَجْعَل أَحَدًا لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع , كَمَا قِيلَ { لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْ رُسُله } 2 285 وَبَيْن : لَا تَقَع إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا .
" مَا " نَفْي وَ " أَحَد " فِي مَعْنَى الْجَمْع , فَلِذَلِكَ نَعَتَهُ بِالْجَمْعِ ; أَيْ فَمَا مِنْكُمْ قَوْم يَحْجِزُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا نُفَرِّق بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُله " [ الْبَقَرَة : 285 ] هَذَا جَمْع , لِأَنَّ " بَيْنَ " لَا تَقَع إِلَّا عَلَى اِثْنَيْنِ فَمَا زَادَ . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ تَحِلّ الْغَنَائِم لِأَحَدِ سُود الرُّءُوس قَبْلَكُمْ ) . لَفْظه وَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجَمْع . و " مِنْ " زَائِدَة . وَالْحَجْز : الْمَنْع . وَ " حَاجِزِينَ " يَجُوز أَنْ يَكُونَ صِفَة لِأَحَدٍ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرْنَا ; فَيَكُون فِي مَوْضِع جَرّ . وَالْخَبَر " مِنْكُمْ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَر وَ " مِنْكُمْ " مُلْغًى , وَيَكُون مُتَعَلِّقًا " بِحَاجِزِينَ " . وَلَا يَمْنَع الْفَصْل بِهِ مِنْ اِنْتِصَاب الْخَبَر فِي هَذَا ; كَمَا لَمْ يَمْتَنِع الْفَصْل بِهِ فِي " إِنَّ فِيك زَيْدًا رَاغِب " .
مشاركة الموضوع