تفسير السعدي

سورة الطلاق الآية ٩

فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴿٩﴾
فتجرعوا سوء عاقبة عتوهم وكفرهم, وكان عاقبة كفرهم هلاكا وخسرانا لا خسران بعده.
وكثير من القرى عصى أهلها أمر الله وأمر رسوله وتمادَوا في طغيانهم وكفرهم، فحاسبناهم على أعمالهم في الدنيا حسابًا شديدًا، وعذَّبناهم عذابًا عظيمًا منكرًا، فتجرَّعوا سوء عاقبة عتوهم وكفرهم، وكان عاقبة كفرهم هلاكًا وخسرانًا لا خسران بعده.
"فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا" عُقُوبَته "وَكَانَ عَاقِبَة أَمْرهَا خُسْرًا" خَسَارًا وَهَلَاكًا
" فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا " أَيْ غِبَّ مُخَالَفَتِهَا وَنَدِمُوا حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمْ النَّدَمُ " وَكَانَ عَاقِبَة أَمْرِهَا خُسْرًا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا " أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة مَعَ مَا عَجَّلَ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَمَا قَصَّ مِنْ خَبَر هَؤُلَاءِ .
وَقَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } يَقُول : فَذَاقَتْ هَذِهِ الْقَرْيَة الَّتِي عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله , عَاقِبَة مَا عَمِلَتْ وَأَتَتْ مِنْ مَعَاصِي اللَّه وَالْكُفْر بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26635 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } قَالَ : عُقُوبَة أَمْرهَا . 26636 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } قَالَ : ذَاقَتْ عَاقِبَة مَا عَمِلَتْ مِنْ الشَّرّ . الْوَبَال : الْعَاقِبَة . 26637 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } يَقُول : عَاقِبَة أَمْرهَا . 26638 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } قَالَ : جَزَاء أَمْرهَا . 26639 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا } يَعْنِي بِوَبَالِ أَمْرهَا : جَزَاء أَمْرهَا الَّذِي قَدْ حَلَّ .

وَقَوْله : { وَكَانَ عَاقِبَة أَمْرهَا خُسْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ الَّذِي أَعْقَبَ أَمْرهمْ , وَذَلِكَ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَعِصْيَانهمْ إِيَّاهُ خُسْرًا : يَعْنِي غَبْنًا , لِأَنَّهُمْ بَاعُوا نَعِيم الْآخِرَة بِخَسِيسٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيل , وَآثَرُوا اِتِّبَاع أَهْوَائِهِمْ عَلَى اِتِّبَاع أَمْر اللَّه .
أَيْ عَاقِبَة كُفْرهَا

أَيْ هَلَاكًا فِي الدُّنْيَا بِمَا ذَكَرْنَا , وَالْآخِرَة بِجَهَنَّم . وَجِيءَ بِلَفْظِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَنَادَى أَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب النَّار " [ الْأَعْرَاف : 44 ] وَنَحْو ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُنْتَظَر مِنْ وَعْد اللَّه وَوَعِيده مُلْقًى فِي الْحَقِيقَة ; وَمَا هُوَ كَائِن فَكَأَنْ قَدْ .
مشاركة الموضوع