الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { أُولَئِكَ } : هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ وَكَّلْنَا بِآيَاتِنَا وَلَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ , هُمْ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّه لِدِينِهِ الْحَقّ , وَحِفْظ مَا وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ مِنْ آيَات كِتَابه وَالْقِيَام بِحُدُودِهِ وَاتِّبَاع حَلَالِهِ وَحَرَامه وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَالِانْتِهَاء عَمَّا فِيهِ مِنْ نَهْيه , فَوَفَّقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِذَلِكَ . { فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَبِالْعَمَلِ الَّذِي عَمِلُوا وَالْمِنْهَاج الَّذِي سَلَكُوا وَبِالْهُدَى الَّذِي هَدَيْنَاهُمْ وَالتَّوْفِيق الَّذِي وَفَّقْنَاهُمْ , اِقْتَدِهِ يَا مُحَمَّد : أَيْ فَاعْمَلْ وَخُذْ بِهِ وَاسْلُكْهُ , فَإِنَّهُ عَمَل لِلَّهِ فِيهِ رِضًا وَمِنْهَاج مَنْ سَلَكَهُ اِهْتَدَى . وَهَذَا التَّأْوِيل عَلَى مَذْهَب مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله : { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } أَنَّهُمْ الْأَنْبِيَاء الْمُسَمَّوْنَ فِي الْآيَات الْمُتَقَدِّمَة , وَهُوَ الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ . وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ وُكِّلُوا بِهَا هُمْ أَهْل الْمَدِينَة , أَوْ أَنَّهُمْ هُمْ الْمَلَائِكَة , فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْله : { فَإِنْ يَكْفُر بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } اِعْتِرَاضًا بَيْن الْكَلَامَيْنِ , ثُمَّ رَدُّوا قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } عَلَى قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10540 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , قَوْله : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب } . . . إِلَى قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } يَا مُحَمَّد . 10541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه } يَا مُحَمَّد , { فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } وَلَا تَقْتَدِ بِهَؤُلَاءِ . 10542 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } . 10543 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : ثُمَّ قَالَ فِي الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة : { فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ } . وَمَعْنَى الِاقْتِدَاء فِي كَلَام الْعَرَب بِالرَّجُلِ : اِتِّبَاع أَثَره وَالْأَخْذ بِهَدْيِهِ , يُقَال : فُلَان يَقْدُو فُلَانًا إِذَا نَحَا نَحْوه وَاتَّبَعَ أَثَره , قِدَة وَقُدْوَة وَقِدْوَة وَقِدْيَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُك أَنْ تُذَكِّرَهُمْ بِآيَاتِي أَنْ تُبْسَل نَفْس بِمَا كَسَبَتْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك يَا مُحَمَّد : لَا أَسْأَلكُمْ عَلَى تَذْكِيرِي إِيَّاكُمْ وَالْهُدَى الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَالْقُرْآن الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ , عِوَضًا أَعْتَاضُهُ مِنْكُمْ عَلَيْهِ وَأَجْرًا آخُذهُ مِنْكُمْ , وَمَا ذَلِكَ مِنِّي إِلَّا تَذْكِير لَكُمْ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مِثْلكُمْ مِمَّنْ هُوَ مُقِيم عَلَى بَاطِل بَأْس اللَّه أَنْ يَحِلّ بِكُمْ وَسَخَطه أَنْ يَنْزِل بِكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ بِهِ وَكُفْركُمْ , وَإِنْذَار لِجَمِيعِكُمْ بَيْن يَدَيْ عَذَاب شَدِيد , لِتَذْكُرُوا وَتَنْزَجِرُوا